في ظل حالة الانسداد السياسي التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، يبرز “الحوار المهيكل” كأحد أبرز المبادرات التي تقودها الأمم المتحدة في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي ووضعه على سكة الاستقرار.
هذه المبادرة لا تمثل مجرد لقاءات سياسية تقليدية، بل تعكس مقاربة مختلفة تقوم على تحديد جدول أعمال واضح، وسقف زمني محدد، ومشاركة شخصيات مختارة بعناية من بين مئات الترشيحات.
الحوار المهيكل في جوهره، ليس محاولة لابتكار حلول جديدة بقدر ما هو سعي لإحياء التوافقات السابقة التي تعثّر تنفيذها. فقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية جولات عديدة من التفاهمات، خاصة بين المؤسسات التشريعية، إلا أن هذه التفاهمات اصطدمت بخلافات جوهرية وتدخلات متعددة حالت دون ترجمتها إلى واقع عملي.
تمتد أعمال هذا الحوار، وفق المؤشرات الحالية، على مدى زمني قصير نسبيًا، يُرجح أن يُختتم مع بداية شهر يونيو، بعد أن يمر عبر عدة مسارات رئيسية تهدف إلى معالجة القضايا الخلافية العالقة. ويُنتظر أن تفضي مخرجاته إلى مقترحات عملية تُحال إلى الأجسام السياسية المعنية، تمهيدًا لتنفيذها على أرض الواقع.
غير أن نجاح هذه المخرجات يبقى رهينًا بمدى قدرتها على الحصول على دعم دولي حقيقي، خصوصًا من خلال تبنيها بقرار من مجلس الأمن الدولي، بما يضمن إلزام الأطراف المختلفة بتنفيذها.
فالتجربة الليبية أثبتت أن التدخلات الخارجية، حين تتقاطع مع المصالح الضيقة لبعض الأطراف، قد تعرقل أي توافق داخلي، كما حدث سابقًا في ملف القوانين الانتخابية.
وتظل القضايا الجوهرية، مثل الحوكمة وإدارة الموارد الاقتصادية، في صلب التحديات التي يسعى الحوار لمعالجتها، إذ تبرز إشكاليات توزيع الثروة، خاصة عائدات النفط والغاز، كأحد أبرز مصادر التوتر، إلى جانب الحاجة إلى تحقيق عدالة تنموية بين مختلف المناطق.
كما لا يمكن إغفال المسار الأمني، الذي يمثل حجر الزاوية في أي تسوية سياسية.
فملفات توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز الأمن في المناطق الحدودية والجنوبية، والتصدي لظواهر الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، كلها تحديات ملحة تتطلب مقاربة شاملة.
في المحصلة، يشكل الحوار المهيكل فرصة حقيقية، وإن كانت محفوفة بالتحديات، لإعادة بناء الثقة بين الأطراف الليبية ووضع أسس دولة مستقرة.
غير أن هذه الفرصة لن تكتمل إلا بتوفر إرادة سياسية داخلية صادقة، وتوازن دقيق في الدعم الدولي، يضمن حماية التوافقات بدلًا من تقويضها.

