نتيجة لتداعيات الحرب على إيران ودول الخليج العربي، وعرقلة إمدادات النفط الخام عبر مضيق هرمز، كسرت أسعار النفط (خام برنت) حاجز 84 دولارًا للبرميل. ولا بد أن تكون لهذه القفزة في أسعار خام برنت آثارها المختلفة، ومن أهمها الآثار الإيجابية على مداخيل الدول المصدرة للنفط، التي تتمكن من الاستمرار في تصدير المزيد من الشحنات.
وفي ليبيا، إحدى الدول المصدرة للنفط، من المتوقع أن تزداد الإيرادات النفطية التي تجبيها المؤسسة الوطنية للنفط وتعود إلى الخزانة العامة من خلال حساب الإيراد العام لدى مصرف ليبيا المركزي. غير أن هذه الزيادة في الإيرادات ينبغي ألا تكون دافعًا لزيادة الإنفاق العام أو التوسع في المصروفات الحكومية، ذلك لأن الإنفاق العام أصلًا يُعد منفلتًا ويتجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، وأفضى إلى عديد المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الوطني.
إن الإدارة السليمة للإنفاق العام تتطلب ألا يكون الإنفاق العام مسايرًا للاتجاهات الدورية في الدخل (Pro-cyclical)، بمعنى أنه يرتفع بارتفاع الإيرادات العامة وينخفض بانخفاضها؛ بل ينبغي أن يكون مناوئًا للاتجاهات الدورية (Counter-cyclical)، أي لا يرتفع مع الارتفاع الذي يطرأ على الإيرادات ولا ينخفض بانخفاضها. وهذا عندما يكون مؤسسًا على ميزانية عامة واحدة، حتى يحظى الاقتصاد بالاستقرار.
الاقتصاد الليبي في حاجة إلى ضبط الإنفاق العام وتخفيضه، واستقرار متغيرات الاقتصاد الكلي عند الحدود التي تضمن التحكم في معدلات التضخم، وتفادي التمويل بالعجز، أو المساس باستقرار سعر صرف الدينار الليبي.
وحتى قبل هذا الارتفاع الأخير الذي طرأ على أسعار النفط، لم يكن الاقتصاد الليبي في حاجة إلى المستويات التي وصل إليها الإنفاق العام، في ظل غياب ميزانية عامة معتمدة. فقد بلغ إجمالي الإنفاق العام خلال عام 2024 حوالي 224 مليار دينار، وما ترتب عليه من دين عام غير مقنن يقدر بحوالي 303 مليارات دينار. وقدمت تقديرات لموازنة موحدة خلال عام 2025 بلغت ما يعادل 31 مليار دولار، أي حوالي 174 مليار دينار، وأعلن المصرف المركزي عن إنفاق عام يزيد عن 136 مليار دينار خلال عام 2025.
والإنفاق العام في حاجة إلى الترشيد والرفع من كفاءته، وتخفيض معدلاته التي تجاوزت الموارد المتاحة.
كما أنه لم تكن هناك حاجة للتخفيض الأخير الذي أُجري على سعر صرف الدينار الليبي بهدف تمويل الإنفاق العام، وما أدى إليه من تضخم في أسعار السلع المستوردة. ومن نافلة القول، في ظل الأوضاع الحالية، لا توجد حاجة إلى فرض ضرائب استهلاك أو ضرائب إنتاج يتحمل تكلفتها المواطن.
ختامًا، فإن الارتفاع الذي طرأ على أسعار النفط الخام يوفر فرصة لمراجعة سياسات الإنفاق العام، ولإعداد وإقرار ميزانية عامة متوازنة واحدة للدولة الليبية تتناسب مع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، يكون هدفها الرئيسي احتواء التضخم. وأن توضع تقديراتها على أساس سعر برميل النفط لا يتجاوز 65 دولارًا للبرميل، وما زاد على ذلك يضاف إلى المجنب لدى مصرف ليبيا المركزي.
كما أنه يوفر فرصة لمراجعة السياسات النقدية وسياسة سعر الصرف التي يجري تطبيقها، وذلك بهدف تصحيحها، في إطار جملة من الإجراءات الاحترازية العاجلة على المدى القصير جدًا لإنقاذ الاقتصاد الوطني من مآلات الانهيار، وتصحيح واستقرار سعر صرف الدينار الليبي، والتخفيف من معاناة المواطنين جراء الارتفاع الذي طرأ على أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات، وزيادة معدلات الفقر وهشاشة الأوضاع المعيشية.
مخاطر التوسع في الإنفاق مع ارتفاع إيرادات النفط بسبب الحرب على إيران

