منذ عام 2011، لم تكن أزمة الحكومات في ليبيا أزمة أشخاص بقدر ما كانت أزمة آلية وشرعية. فقد تعاقبت على البلاد حكومات متعددة، بعضها استند إلى الإعلان الدستوري، وبعضها وُلد من مسارات حوار سياسي برعاية دولية، لكن أيًّا منها لم ينجح في إنهاء المرحلة الانتقالية أو توحيد مؤسسات الدولة.
الحكومات المنبثقة عن أجسام منتخبة — مثل حكومات علي زيدان وعبدالله الثني، ولاحقًا الحكومة المكلفة برئاسة فتحي باشاغا — امتلكت غطاءً تشريعيًا، لكنها اصطدمت بواقع الانقسام السياسي والأمني، فعجزت عن فرض سلطتها على كامل التراب الليبي.
وفي المقابل، جاءت حكومات عبر مسارات دولية، أبرزها حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، ثم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة. هذه الحكومات حظيت باعتراف خارجي واسع ودعم سياسي دولي، لكنها افتقرت إلى تفويض شعبي مباشر، ما جعل شرعيتها الداخلية محل جدل دائم.
ورغم التعديلات والتجاذبات، ما يزال الإعلان الدستوري هو الإطار القانوني الأعلى في البلاد. غير أن الأزمة لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في عجز الأجسام التشريعية القائمة عن تفعيلها بصورة جامعة، بسبب الانقسام الحاد وفقدان الثقة الشعبية. إن العودة الشكلية إلى الإعلان الدستوري دون معالجة هذا الخلل البنيوي لن تفضي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
وفي الجهة الأخرى، فإن تجاوز الشرعية الدستورية والارتهان الكامل لمسارات الحوار الدولي يحمل خطر تحويل الرعاية الخارجية من دعم مؤقت إلى وصاية دائمة، وهو ما يتعارض مع فكرة الدولة ذات السيادة.
الحل الواقعي لا يكون في المفاضلة بين “شرعية دستورية معطلة” و“شرعية دولية منقوصة”، بل في ابتكار آلية وطنية دستورية استثنائية تنبثق من الإعلان الدستوري، دون أن تكون أسيرة للأجسام السياسية القائمة. آلية تعيد منصب رئيس الحكومة إلى موقعه الطبيعي كرئيس للسلطة التنفيذية، لا كطرف في صراع الشرعيات.
يمكن أن تقوم هذه الصيغة على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية بحيث تُسند مهمة تسمية رئيس الحكومة إلى رئيس مجلس رئاسي جديد يُختار عبر تجمعات انتخابية تمثل مختلف المناطق، بعد تشاور ملزم مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الدولة وبعض الاطراف الاخرى. ثم يُكلف رئيس الحكومة بتشكيل حكومة انتقالية محددة المهام والمدة، تُعرض على مجلس النواب لنيل الثقة.
وتتكون هذه الحكومة من كفاءات وطنية غير متحزبة، يُمنع أعضاؤها من الترشح في الانتخابات التالية، وتقتصر مهمتها على ثلاث أولويات واضحة: توحيد المؤسسات ، تهيئة المناخ الأمني والإداري للانتخابات، وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين. على أن يقتصر الدور الدولي على الاعتراف والمساندة الفنية، دون تدخل في القرار الوطني.
إن أزمة ليبيا اليوم ليست أزمة دستور، بل أزمة آليات وثقة. ولن يكون الخروج من المرحلة الانتقالية ممكنًا إلا بإعادة بناء الشرعية على أسس وطنية شفافة، تضع حدًا لمنطق الحكومات المؤقتة المفتوحة زمنياً، وتفتح الطريق أمام دولة مستقرة ذات سيادة، تُنتج سلطتها عبر انتخابات حرة لا عبر صفقات ظرفية.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، ومن تدوير الحكومات إلى بناء الدولة.
آلية تشكيل الحكومة في ليبيا بين الدستور وواقع الانقسام

