Menu
in

ليبيا بين تعددية أسباب الأزمة وميل بعض المبعوثين إلى التفسير الأحادي.. شهادة “ستيفاني ويليامز” نموذجاً

 

أعاد كتاب السيدة ستيفاني ويليامز «ليبيا منذ القذافي: الفوضى والبحث عن السلام»، وما تلاه من نقاشات إعلامية وبودكاست بُثّ مؤخرًا على قناة ليبيا الأحرار، فتحَ ملف مسؤولية الداخل الليبي عما آلت إليه الأوضاع، والجدل لم يكن حول وقائع جديدة بقدر ما كان حول زاوية النظر: هل كانت الأزمة نتاج تدخل خارجي فحسب، أم أن الداخل وفّر البيئة التي سمحت بتعاظم هذا التدخل، أم أن ما جرى على ليبيا جزء من مشهد عام لدول الربيع العربي، شهدت جميعها ثورة مضادة مدعومة خارجيا ترفض في العمق دمقرطة المنطقة لأسباب تتعلق ببعد صراع حضاري قديم ومصالح مرتبطة به.

تتحدث ستيفاني ويليامز بوضوح عن فساد في الطبقة السياسية، وعن ضعف في فهم طبيعة الدولة وإدارة المصالح، وتشير إلى أن بعض من تصدروا المشهد تعاملوا مع المناصب بوصفها منصات حضور خارجي أكثر من كونها مسؤوليات بناء داخلي، وقد استخدمت في أكثر من موضع كلمة “بعض” عند حديثها عن الفساد وضعف الكفاءة، غير أن السرد العام جاء بصيغة قد توحي للقارئ بتعميم أوسع من حدود هذه الكلمة، فحين تُرسم صورة لطبقة سياسية لا ترى في الدولة إلا فرصة سفر أو مناسبة بروتوكولية، فإن الانطباع العام يميل إلى أن المشهد كان كتلة واحدة من الإخفاق وهو في تقديري تسطيح مُخِلٌّ للأزمة وإغفال لأسبابها الأساسية، ومغازلة واضحة للمزاج العام للشارع الليبي الذي لا يرى أمامه إلا مظاهر الأزمة وأهمها النخبة السياسية.

نعم، وُجد فساد وبرزت شخصيات لم ترتقِ إلى مستوى الدولة، وسقطت اختبارات الكفاءة والنزاهة في أكثر من محطة، لكن في المقابل وُجد تيار وطني عريض، وشخصيات نزيهة وقادرة، تعاملت مع البعثة الأممية بجدية في كل المراحل، وكانت تبحث عن تمكين الكفاءة وتحصين القرار الوطني، وهذا الاستثناء لم يكن صوتًا هامشيًا، بل كان حاضرًا في كل الحوارات والمسارات، وإن لم يمتلك دائمًا أدوات النفوذ أو القدرة على فرض إيقاعه وسط تشابك المصالح والتدخلات الدولية وضعف البعثة كضامن لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وهو العامل الأساسي لفشل أغلب التسويات .

فتح باب الاستثناء هنا ليس دفاعًا عن أحد، إنما هو توضيح وتأكيد على الحقيقة المركّبة، فليبيا لم تكن لوحة سوداء بالكامل، كما أنها لم تكن قصة نجاح أُجهضت فقط بفعل الخارج، بل كانت ساحة يتداخل فيها ضعف البنية السياسية مع ضغط التدخلات الإقليمية والدولية، وتتصارع فيها مشاريع الدولة مع مشاريع الغنيمة.

ومن نافلة القول أن مرحلة معمر القذافي أفرغت المجال العام من أدوات صناعة النخب، مع تصحر في الحياة السياسية، وتضييق الفضاء الثقافي، ومنع أي تعددية سياسية حقيقية، ولم يُسمح إلا بلون واحد وصوت واحد، وعندما انهار النظام لم تكن هناك مؤسسات راسخة ولا تقاليد سياسية ناضجة تُمكّن من انتقال سلس، فبرزت فجوة كبيرة بين حجم الدولة وتعقيدها وبين جاهزية من تصدّروا لإدارتها ومع ذلك نجحت ليبيا في أول تجربة مبكرة في إجراء انتخابات 2012، ووضعت بذلك العربة على السكة لولا تدخل عوامل الهدم بعدها .

تداخلت بعد ذلك عوامل كثيرة أساسها عدم ترحيب الدول الكبرى بالتحول الديمقراطي والعمل على إسقاطه باستخدام أساليب لايتسع المجال لبسطها، تقوم على رعايتها دول إقليمية بالمال والمؤمرات، ولها ظهير دولي يغضّ الطرف ويفسح المجال، أما فساد بعض النخبة وظاهرة القبلية والصراع على الغنيمة والسلبية وانسحاب الكفاءات وضعف المؤسسات السياسية وغياب ثقافة الحوار وقبول الآخر وحداثة التجربة السياسية فكلها عوامل مهمة بلا شك، ولكنها برزت كنتيجة بعد تنكر الغرب للتجربة الديمقراطية من أساسها كقيمة ، ليس في ليبيا فقط، بل في كل دول الربيع العربي ولك أن تنظر حولك.

وفي هذا السياق لا يمكن عزل هذا المشهد عن صراع الدول على ليبيا، فالدول تتحرك وفق مصالحها، وإذا كان تحقيق تلك المصالح يمر عبر دعم شخصية ضعيفة أو فاسدة أو تابعة، فإن البراغماتية السياسية كثيرًا ما تغلب الاعتبارات الأخلاقية، وهنا تتعاظم مسؤولية الداخل، لأن الانقسام المحلي يصبح مدخلًا لتعميق النفوذ الخارجي، وكما هو معروف فإن بيئة الصراع لا يتفق فيها المتصارعون إلا على الضعيف أو المجهول وهذا بالضبط ما نراه.
ألم يفشل الدكتور محمود جبريل -رحمه الله- مرشح تحالف القوى الوطنية لرئاسة الحكومة، وهو يمثل أكبر كتلة في حينها، وفشل كذلك حزب العدالة والبناء في إيصال مرشحه الدكتور عوض البرعصي وهو ثاني أكبر كتلة، في حين تقدم ممثلو المستقلين وهو ما يعبر عن الموقف من الأحزاب.

أما بعثة الأمم المتحدة، فلم تكن تجربتها خالية من الإخفاق، وكان يمكن لمسارها أن يسلك اتجاهًا مختلفًا لو حظي السيد طارق متري بدعم دولي أقوى في مرحلة كان فيها الصراع سياسيًا قبل أن يتحول إلى مواجهة مسلحة، كذلك لم يحظَ اتفاق الصخيرات ولا جنيف بالدعم الدولي الكافي من جهة ردع المعرقلين المحليين وداعميهم على الرغم من أن هذه المحاولات (الصخيرات وجنيف) قد حافظت إلى حد ما عن استمرار العملية السياسية.

كل ذلك لا ينبغي أن يقود إلى تعميم يختزل ليبيا في الفشل أو ينكر وجودَ القوى الوطنية الجادة، فالتعميم يظلم من حاول الإصلاح، ويضعف الثقة في إمكانية بناء الدولة، فالمطلوب اليوم ليس نفي الفساد ولا تبرير الأخطاء، بل التمييز بين من تعامل مع الدولة كغنيمة، ومن تعامل معها كأمانة.

ليبيا ليست بين أبيض وأسود، بل في مساحة صراع مفتوحة بين مشروع دولة ومشروع مصالح ضيقة، والرهان الحقيقي ليس على توصيف الماضي فحسب، بل على تمكين الاستثناء الوطني – ذلك التيار الذي يؤمن بالكفاءة والنزاهة وبناء المؤسسات – ليصبح هو القاعدة لا الاستثناء، هنا فقط تتحول شهادة الخارج من إدانة عامة إلى فرصة مراجعة، ومن سردية انهيار إلى مدخل لإعادة البناء.

Exit mobile version