Menu
in

مليارات بلا مردود من الأعلاف إلى اللحوم.. أرقام الاعتمادات تكشف خلل سياسة الغذاء في ليبيا

عندما تتكلم الأرقام وحدها
في ليبيا عام 2025، لا نحتاج إلى تسريبات أو مصادر خاصة لاكتشاف الخلل؛ فالبيانات المنشورة رسميًا عن المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد كافية لرسم صورة مقلقة.

مليارات تُنفق على أعلاف الحيوانات، ومئات الملايين على استيراد اللحوم، مقابل عشرات الملايين فقط لصحة الحيوان.

هذه ليست مفارقة عابرة، بل تناقض بنيوي يكشف أن منظومة الاعتمادات تعمل بمعزل كامل عن الواقع الزراعي والغذائي.

أولًا: ماذا تقول بيانات المركزي؟

وفق تحليل اعتمادات الأدوية البيطرية المنشورة رسميًا خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025، بلغ إجمالي الإنفاق نحو 6.17 ملايين دولار، أي ما يعادل تقريبًا 37.8 مليون دينار، باحتساب متوسط سعر صرف سنوي قدره 6.12 دنانير للدولار.

ولا تشمل هذه الأرقام أشهر سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر، إذ لم ينشر المصرف المركزي بياناتها حتى الآن.

ثانيًا: تقدير منطقي لما لم يُنشر

إذا افترضنا استمرار الإنفاق بالمعدل نفسه خلال بقية العام، فإن القيمة السنوية المتوقعة لاعتمادات الأدوية البيطرية في 2025 تتراوح بين 9 و9.5 ملايين دولار، أي ما بين 56 و58 مليون دينار.

وهو تقدير محافظ، مبني فقط على البيانات المتاحة، دون افتراض أي زيادات استثنائية.

ثالثًا: الصورة الكاملة

عند وضع جميع البنود جنبًا إلى جنب، تتضح المفارقة:
أعلاف مستوردة:
≈ 1 مليار دولار
(حوالي 6.12 مليارات دينار)
أدوية بيطرية (تقدير سنوي):
≈ 9.5 ملايين دولار
(حوالي 58 مليون دينار)
لحوم مستوردة (بيانات وزارة الاقتصاد):
≈ 385 مليون دولار

رابعًا: أين يكمن الخلل؟
هذه الأرقام لا يمكن أن تكون صحيحة معًا في الوقت ذاته:
مليار دولار للأعلاف يفترض وجود قطيع ضخم يحتاج إلى تغذية مستمرة.

385 مليون دولار لاستيراد اللحوم يفترض أن الإنتاج المحلي غير كافٍ أو غير صحي.

9 ملايين دولار فقط للأدوية البيطرية تفترض أحد احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن القطيع صغير جدًا (فلماذا كل هذه الأعلاف؟)
أو أن القطيع كبير، لكنه بلا تغطية صحية كافية، وهو خطر اقتصادي وصحي جسيم.

والنتيجة واحدة: عدم تناسب صارخ يفضح خللًا عميقًا في منظومة الاعتمادات.

خامسًا: ماذا يعني هذا الخلل عمليًا؟
نحن على الأرجح أمام واحد أو أكثر من السيناريوهات التالية:
تضخيم واضح في اعتمادات الأعلاف.
سوق أدوية بيطرية تُدار بمنطق الحصص لا الاحتياج الفعلي.
اعتمادات لا تقابلها كميات حقيقية على الأرض.
غياب تام لربط التمويل بالبيانات الصحية والوبائية للثروة الحيوانية.

في كل الأحوال، ما يحدث ليس سياسة زراعية ولا غذائية، بل إدارة مالية منفصلة تمامًا عن الواقع.

سؤال لا مفر منه
لا يمكن لدولة أن:
تموّل غذاء الحيوان بمليار دولار،
وتموّل صحة الحيوان بعشرات الملايين فقط،
ثم تستورد اللحوم بمئات الملايين،
وتدّعي في الوقت ذاته أن منظومة الاعتمادات تعمل بشكل طبيعي.

وما يزيد الصورة قتامة أن هذا التحليل مبني فقط على ما نُشر رسميًا.
أما بيانات سبتمبر إلى ديسمبر، التي يُتوقع أن ينشرها المصرف المركزي قريبًا،
فقد تكشف خللًا أفدح… وتضع الحقيقة كاملة أمام الرأي العام.

Exit mobile version