أولًا: على أي أساس قانوني اعتمد مجلس الدولة في الترشيحات الأخيرة لمفوضية الانتخابات دون توافق مسبق مع مجلس النواب؟
يعتمد المجلس الأعلى للدولة، في تبرير الترشيحات الأخيرة، على تفسير موسّع لصلاحياته المستمدة من الإعلان الدستوري، وعلى ما يعتبره امتدادًا لنهج السياسات التوافقية السابقة، ولا سيما في ملف الانتخابات باعتباره مهمة وطنية مشتركة.
غير أن هذا الطرح يصطدم بغياب نص صريح في القوانين الليبية النافذة يمنح المجلس الأعلى للدولة حق الانفراد بترشيح أعضاء المفوضية دون توافق مع مجلس النواب. إذ يُنظر إلى هذا الملف، وفق الاتفاقيات السياسية السابقة، على أنه من القضايا التي ينبغي أن تُدار بالتشاور والتوافق بين الهيئتين.
يرى مجلس الدولة أن مفهوم التوافق السياسي لا يقتصر على التصويت الثنائي، بل يمكن أن يتخذ أشكالًا أوسع، خاصة في حال ما يعتبره تلكؤًا أو تعطيلًا من قبل مجلس النواب لتنفيذ تفاهمات سابقة. غير أن هذا الطرح يظل تأويلًا سياسيًا أكثر منه تأسيسًا قانونيًا صريحًا.
ومن ثم، يمكن القول إنه من الناحية القانونية البحتة، لا توجد قاعدة واضحة تخوّل مجلس الدولة التصرف منفردًا بهذا الشكل، وما يجري هو اجتهاد سياسي في ظل غموض دستوري مزمن.
ثانيًا: هل ترشيح أسماء جديدة محاولة إصلاح أم خطوة لفرض واقع سياسي؟
نظريًا، يُفترض أن يسهم ترشيح أسماء جديدة لعضوية مفوضية الانتخابات في إعادة إحياء العملية الانتخابية المتعثرة، وإدخال عناصر جديدة قد تكسر حالة الجمود وتعيد بعض المصداقية للمسار الانتخابي.
لكن على أرض الواقع، يحمل هذا التحرك بُعدين متداخلين:
بُعد إصلاحي: يتمثل في الدعوة إلى تجديد المفوضية كمدخل لإطلاق انتخابات أكثر شفافية.
بُعد سياسي واقعي: يهدف إلى كسر احتكار القرار من قبل مجلس النواب، وتسريع المسار الانتخابي في ظل ما يُنظر إليه كتأجيلات متعمدة وفقدان متزايد للثقة.
ولهذا، يرى معظم المراقبين أن الخطوة لا يمكن توصيفها كإصلاح إداري محايد، بل هي تحرك سياسي يسعى إلى إعادة رسم قواعد إدارة العملية الانتخابية في ظل غياب توافق حقيقي.
وبالتالي، فإن الترشيحات الجديدة تمثل، في جوهرها، تجسيدًا لصراع سياسي على من يدير العملية الانتخابية، أكثر من كونها إجراءً إصلاحيًا صرفًا.
ثالثًا: ما الأسباب الحقيقية وراء رفض مجلس النواب لهذه الترشيحات؟ وهل هي قانونية أم سياسية؟
تتعدد أسباب رفض مجلس النواب لهذه الترشيحات، ويمكن تلخيصها في محورين رئيسيين:
1. أسباب دستورية وإجرائية
يرى مجلس النواب أن أي تعديل في تركيبة مفوضية الانتخابات يجب أن يتم عبره أو بالتوافق معه، باعتباره السلطة التشريعية الأعلى في بلد يفتقر إلى دستور نافذ وقابل للتطبيق. كما يعتبر أن أي إجراء منفرد يشكل خرقًا للتفاهمات السياسية السابقة المنظمة لآلية تشكيل المفوضية.
2. أسباب سياسية
يخشى مجلس النواب أن تكون هذه التغييرات موجهة لخدمة أجندات سياسية بعينها، أو لإضعاف نفوذه داخل العملية الانتخابية. كما يسود انعدام ثقة متبادل، مع اعتقاد راسخ لدى عدد من النواب بأن المجلس الأعلى للدولة يسعى لإعادة تشكيل المؤسسات السيادية بما يخدم مصالحه.
وفي المحصلة، يبدو أن رفض مجلس النواب يستند إلى دوافع سياسية بالدرجة الأولى، أكثر مما هو اعتراض قانوني حاسم، خاصة في ظل غياب إطار دستوري واضح يسمح بحسم الخلافات تفسيرًا وتطبيقًا.
رابعًا: ما انعكاس هذا الصراع على إجراء الانتخابات؟ وإلى أي مدى يساهم في إطالة المرحلة الانتقالية؟
الآثار السلبية لهذا الصراع تبدو واضحة، ويمكن رصدها في عدة مستويات:
- تعطيل العملية الانتخابية: استمرار الخلاف يعطل اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالمفوضية وبكامل المنظومة الانتخابية.
- فقدان الثقة العامة: يزداد إحباط المواطنين من قدرة المؤسسات السياسية على إنجاز الاستحقاقات الانتخابية.
- تمديد المرحلة الانتقالية: كل تأخير في حسم ملف المفوضية ينعكس مباشرة على مواعيد الانتخابات، ويكرس استمرار المرحلة الانتقالية بكل ما تحمله من أزمات شرعية وسيادية.
وتؤكد التجربة الليبية منذ عام 2011 أن معظم الإخفاقات الانتخابية لم تكن فنية بقدر ما كانت نتيجة صراعات على الصلاحيات وتوازنات السلطة.
وعليه، فإن هذا الصراع لا يُعد سببًا وحيدًا لتعطيل الانتخابات، لكنه عامل مركزي يضيف طبقات جديدة من التعقيد، ويطيل المرحلة الانتقالية دون أفق زمني واضح.
خامسًا: هل يمكن أن يؤدي استمرار الخلاف إلى فراغ قانوني أو إداري داخل المفوضية؟
نعم، هذا السيناريو واقعي بدرجة كبيرة. فاستمرار الخلاف قد يؤدي إلى غياب تثبيت واضح لإدارة المفوضية، ما يخلق حالة ازدواجية في السلطة داخلها، بين:
- أعضاء التشكيل القائم.
- أسماء مرشحة جديدة لم تُعتمد بشكل نهائي.
هذه الازدواجية من شأنها شلّ عملية اتخاذ القرار، سواء فيما يتعلق بقبول ملفات الترشح، أو إعداد الجداول الزمنية، أو الإشراف على العملية الانتخابية.
وقد دعت بالفعل بعض مكاتب المفوضية في مختلف المناطق إلى تحييد إدارة المفوضية عن التجاذبات السياسية، حفاظًا على وحدتها واستقرارها المؤسسي.
خلاصة
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في خلاف إداري حول ترشيحات، بل هو صراع أعمق على إدارة المرحلة السياسية برمتها في ليبيا. وهو صراع لا يمكن فهمه من زاوية قانونية فقط، بل بوصفه نتاجًا تراكميًا لتنافس السلطة في ظل غياب دستور واضح وحاكم.
استمرار هذا الخلاف يعزز الجمود السياسي، ويعمّق المرحلة الانتقالية بلا نهاية محددة، ويعرّض العملية الانتخابية لمخاطر فراغ إداري وعجز فعلي عن التنفيذ، بما يهدد ما تبقى من ثقة في المسار الديمقراطي.

