أثار خبر توصل المصرف الليبي الخارجي إلى اتفاق مع المؤسسة الوطنية للنفط لمنحها قرضاً تمويلياً بقيمة مليار دولار ردود فعل متباينة، إذ تناول المراقبون هذا التطور من زوايا متعددة. وتركز جانب مهم من النقاش حول أهلية المصرف الخارجي لمنح مثل هذا القرض، سواء من حيث اختصاصاته المصرفية أو من زاوية احتمال وجود تعارض في المصالح.
فالمصرف الليبي الخارجي لم يُعرف تاريخياً بتخصص عميق في نشاط الإقراض. ووفقاً لآخر قوائم مالية مراجعة ومنشورة للمصرف، فإن قيمة القروض التي شارك في منحها حتى نهاية عام 2018 بلغت نحو 1.46 مليار دولار، وهي – كما يوضح المصرف نفسه – ديون ناتجة عن قروض مشتركة، ما يعني في الغالب أن المصرف يشارك فيها ضمن تحالفات مصرفية لتقليل المخاطر، لا كممول رئيسي يتحمل عبء الائتمان كاملاً.
أما مسألة تعارض المصالح، فتتجسد في احتكار المصرف الخارجي لنشاط تحصيل الإيرادات النفطية الناتجة عن مبيعات المؤسسة الوطنية للنفط. فهذا الاحتكار فُرض في ثمانينيات القرن الماضي بقرار سياسي، دون تبرير اقتصادي واضح، بهدف تجميع الدخل النفطي في قناة واحدة. وقد ترتب على ذلك حرمان مصارف حكومية أخرى، مثل مصرف الجمهورية ومصرف الوحدة، من ممارسة هذا النشاط التجاري المهم، وفي المقابل أتاح للمصرف الخارجي فرض تعرفة مصرفية مرتفعة على المؤسسة وزبائنها مقابل الخدمات المقدمة.
وتكمن خطورة هذا الترتيب، من منظور تعارض المصالح، في أن الدولة سياسياً لا ترغب في تعريض التدفقات النقدية الناتجة عن مبيعات النفط لمخاطر ائتمانية محتملة. غير أن هذا النهج ذاته حرم المؤسسة الوطنية للنفط من الاستفادة من القدرات الائتمانية لمصارف حكومية أخرى قد تكون أوسع وأكثر تنوعاً من حيث أدوات التمويل.
ويبرز إلى جانب ذلك إشكال جوهري يتعلق بالشفافية، وهي عنصر أساسي في مثل هذه التعاملات المالية الكبرى. فالمصرف الليبي الخارجي لم ينشر قوائمه المالية منذ عام 2019، ولا يُعرف وضعه المالي على نحو علني، في حين أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تنشر بياناتها المالية منذ أكثر من أربعة عشر عاماً. ويُذكر أن المصرف الخارجي كان قد كلف شركة مراجعة دولية معروفة، هي KPMG فرع تونس، بمراجعة قوائمه المالية لسنة 2018. وقد أشار تقرير المراجع في إحدى فقراته إلى أن المصرف يواجه صعوبات في تحصيل ديون مستحقة على شركتي الخطوط الجوية الليبية والخطوط الأفريقية بقيمة 74.6 مليون دولار أمريكي، وذلك رغم وجود ضمانات حكومية مُنحت له سنة 2010. ويعكس هذا المثال طبيعة المخاطر التي قد يواجهها المصرف في تحصيل ديونه، حتى في ظل وجود ضمانات حكومية.
ورغم عدم إتاحة الاطلاع على الشروط التفصيلية للقرض المخصص للمؤسسة، تشير التغطيات الإعلامية إلى أن المصرف الخارجي سيطلب ضمانات من الحكومة ومجلس النواب، تخوله استقطاع أقساط السداد مباشرة من الإيرادات النفطية المحصلة من الزبائن، قبل تحويل المتبقي إلى حساب وزارة المالية لدى مصرف ليبيا المركزي. ويفترض هذا الترتيب استمرار المصرف الخارجي كقناة وحيدة لتحصيل الدخل النفطي، وهو افتراض يثير الاستغراب من منظور ائتماني، ويعد سياسياً غير مقبول إلى حد كبير. إذ يثور التساؤل، وبموضوعية، حول سبب عدم قيام الحكومة ومجلس النواب بتخصيص هذه المبالغ مباشرة من الإيرادات النفطية، دون وسيط مصرفي، ولماذا تتحمل المؤسسة الوطنية للنفط كلفة الاقتراض، التي لن تقل على الأرجح عن سعر فائدة سنوي يقارب 5%.
إن النموذج التمويلي الحالي للمؤسسة الوطنية للنفط يمثل إشكالاً محورياً وخطيراً، ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل الإنتاج النفطي، وقد يهدد الشركات الوطنية بمزيد من التغلغل الأجنبي. ولا يبدو أن قرضاً بقيمة مليار دولار كفيل بحل هذه الاختناقات الهيكلية. فمن الواضح أن إعادة تمويل المؤسسة على أسس سليمة لن تكون ممكنة دون تحقيق مستوى عالٍ من الشفافية في نفقاتها وإيراداتها، وهو ما يقتضي نشر بيانات مالية سنوية مراجعة، وفق النسق التجاري المعمول به.
وكما تواجه المؤسسة وشركاتها تحديات تشغيلية ورأسمالية، فإنها مطالبة أيضاً بمواجهة تحدي الشفافية والحوكمة المالية. إذ من غير المتوقع أن يقبل الجمهور الليبي، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي، بالاستمرار في تمويل المؤسسة دون إصلاح هذا الخلل. كما أن اللجوء إلى حلول تمويلية بديلة، على غرار ما حدث في مسألة دفع الشركاء بالإنابة أو الاقتراض دون تأسيس مؤسسي سليم، قد يكون مكلفاً ومؤلماً للمؤسسة نفسها على المدى المتوسط والطويل.
in مقالات
قرض المليار دولار لمؤسسة النفط يثير جدلاً حول اختصاصات المصرف الليبي الخارجي


