in

دراسة قانونية في التمييز بين فقدان الجنسية وسحبها وإسقاطها في ضوء التشريع الليبي والقضاء والإفتاء القانوني

🔹

يثير اكتساب المواطن الليبي جنسية أجنبية باختياره مسألة قانونية بالغة الأهمية، تتعلق بتحديد اللحظة التي يفقد فيها جنسيته الليبية، وما إذا كان هذا الفقدان يتحقق مباشرة بقوة القانون، أم يتوقف على صدور قرار من السلطة التنفيذية.

وتكمن أهمية هذه المسألة في التمييز بين الآثار القانونية التي يرتبها المشرع مباشرة على تحقق وقائع محددة، وبين الآثار التي لا تنشأ إلا بتدخل السلطة الإدارية وإصدار قرار بشأنها.

وقد ميز المشرع الليبي بين فقدان الجنسية وسحبها وإسقاطها، باعتبارها صورا مختلفة لزوال الرابطة القانونية التي تربط الفرد بالدولة، سواء من حيث أسبابها أو طبيعتها أو الإجراءات المتعلقة بها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية الليبية، وما أثاره تطبيقه من منازعات قضائية وآراء قانونية، من بينها الحكم الصادر عن محكمة استئناف البيضاء بشأن عضوية علي الترهوني في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، والدعوى الإدارية رقم 455 لسنة 2023 أمام محكمة استئناف طرابلس بشأن فرحات بن قدارة، وفتوى إدارة القانون رقم 153 لسنة 2015 المتعلقة بأثر اكتساب الجنسية الأجنبية على شغل الوظيفة العامة.

📌أولا: فقدان الجنسية الليبية أثر قانوني مباشر لا يتوقف على صدور قرار إداري

نصت المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية الليبية على أنه:

«يفقد الجنسية الليبية من يكتسب باختياره جنسية أجنبية ما لم تأذن له بذلك اللجنة الشعبية العامة للأمن العام.

وتحدد اللائحة التنفيذية الضوابط المتعلقة بتنفيذ أحكام هذه المادة».

ويستفاد من صريح هذا النص أن المشرع رتب فقدان الجنسية الليبية على تحقق شرطين متلازمين: أولهما اكتساب المواطن الليبي جنسية أجنبية باختياره، وثانيهما عدم حصوله على الإذن القانوني اللازم.

فإذا تحقق هذان الشرطان، فإن الجنسية الليبية تزول عنه بقوة القانون، ومن تاريخ اكتسابه الجنسية الأجنبية، دون حاجة إلى صدور قرار من مجلس الوزراء أو وزارة الداخلية أو أية سلطة إدارية أخرى.

ذلك أن المشرع لم يقل إنه «يجوز إسقاط الجنسية» أو إنه «يجوز إصدار قرار بفقدانها»، وإنما استخدم عبارة آمرة وحاسمة هي «يفقد الجنسية الليبية»، وجعل اكتساب الجنسية الأجنبية اختياريا دون إذن هو الواقعة المنشئة للفقدان.

وهذا يعني أن السلطة التنفيذية لا تملك سلطة تقديرية في إنشاء حالة الفقدان أو الامتناع عن إنشائها متى تحققت شروطها، لأن القانون نفسه هو الذي رتب هذا الأثر.

ومن ثم، فإن أي إجراء إداري يتخذ لإثبات فقدان الجنسية لا يعدو أن يكون إجراء كاشفا عن مركز قانوني تحقق بالفعل، وليس قرارا منشئا لهذا المركز.

بل إن صدور هذا الإجراء أو عدم صدوره لا يترتب عليه أي أثر في قيام حالة الفقدان أو نفاذ نتائجه القانونية.

فالمواطن لا يفقد جنسيته لأن السلطة التنفيذية أصدرت قرارا بفقدانها، وإنما يفقدها لأن القانون رتب هذا الأثر مباشرة على اكتسابه جنسية أجنبية باختياره دون إذن.

📌ثانيا: التمييز بين فقدان الجنسية وسحبها وإسقاطها في القانون رقم 18 لسنة 1980

لم يستحدث القانون رقم 24 لسنة 2010 مبدأ فقدان الجنسية بقوة القانون، بل كان هذا المبدأ مقررا في القانون رقم 18 لسنة 1980 بشأن أحكام الجنسية العربية.

فقد نصت المادة الثامنة منه على أنه:

«يفقد حامل الجنسية العربية جنسيته إذا اكتسب باختياره جنسية أجنبية ما لم تأذن له وزارة العدل.

وإذا فقد الأب جنسيته العربية تبعه في ذلك أولاده الذين لم يبلغوا سن الرشد، على أنه يجوز لهم أن يستردوا جنسيتهم العربية بتقديم إخطار بذلك إلى وزير العدل خلال سنة من بلوغهم سن الرشد.

كما يفقد حامل الجنسية العربية جنسيته من تاريخ الحصول عليها، إذا اكتسبها بناء على بيانات أو أقوال كاذبة أو بإخفاء بعض الحقائق الهامة».

ويلاحظ أن المشرع استخدم عبارة «يفقد» بصيغة تفيد ترتيب الأثر القانوني مباشرة على تحقق شروطه، دون اشتراط صدور قرار إداري منشئ للفقدان.

بل إن النص المتعلق بفقدان الأولاد القصر لجنسيتهم تبعا لفقدان والدهم لها، ومنحهم حق استردادها بمجرد إخطار الجهة المختصة خلال المدة المحددة، يعزز هذا التفسير.

فلو كان فقدان الجنسية لا يتحقق إلا بقرار إداري منشئ، لما كان ثمة معنى لترتيب فقدان جنسية الأولاد تبعا لفقدان جنسية الأب بقوة النص القانوني.

وفي المقابل، خص المشرع حالتي سحب الجنسية وإسقاطها بأحكام مختلفة، بالنظر إلى طبيعتهما القانونية.

وقد تناولت المحكمة العليا الليبية هذا التمييز في الطعن الإداري رقم 118 لسنة 45 قضائية، إذ جاء في حكمها:

«لما كان القانون رقم 18 لسنة 1980 بشأن أحكام الجنسية قد بين في المادة الثانية من له الحق في الجنسية العربية وبين في المادة الخامسة الأشخاص الذين يجوز منحهم الجنسية العربية كما بينت المادة التاسعة الحالات التي تسحب فيها الجنسية في حين بينت المادة العاشرة الحالات التي يجوز فيها إسقاط الجنسية ونظرا للخطورة التي تتمثل في سحب الجنسية أو إسقاطها اشترط القانون أن يكون القرار الصادر بسحب الجنسية أو إسقاطها مسببا وأن يصدر عن مجلس الوزراء بناء على عرض وزارة العدل».

ويتضح من هذا القضاء أن اشتراط صدور قرار مسبب يتعلق بحالتي السحب والإسقاط، دون أن يمتد إلى حالة فقدان الجنسية المنصوص عليها في المادة الثامنة.

وهذا التمييز ليس مجرد اختلاف اصطلاحي، وإنما يعكس اختلافا في الطبيعة القانونية لكل حالة.

فالفقدان أثر يرتبه القانون مباشرة، بينما يتطلب السحب والإسقاط تدخلا من السلطة التنفيذية وفقا للإجراءات المحددة تشريعيا.

📌ثالثا: الاختلاف الجوهري بين قانون الجنسية العربية لسنة 1980 وقانون الجنسية الليبية لسنة 2010

تظهر أهمية القانون رقم 24 لسنة 2010 في أنه أعاد تنظيم أحكام الجنسية الليبية، مع المحافظة على التمييز بين الفقدان والسحب، وعدم الإبقاء على إسقاط الجنسية بوصفه نظاما مستقلا على النحو الذي كان مقررا في التشريع السابق.

فبينما كان القانون رقم 18 لسنة 1980 ينظم ثلاث صور لزوال الجنسية هي الفقدان والسحب والإسقاط، فإن القانون رقم 24 لسنة 2010 اقتصر على تنظيم الفقدان والسحب.

وقد خص المشرع الفقدان بالمادتين الخامسة والثانية عشرة، بينما نظم السحب في المادتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة.

فنصت المادة الثانية عشرة على أنه:

«يفقد حامل الجنسية الليبية جنسيته إذا كان حصوله عليها قد تم بناء على معلومات أو بيانات كاذبة أو مستندات غير صحيحة أو مزورة أو قام بإخفاء حقائق تتعلق بالجنسية، وإذا كان من فقد جنسيته هو الأب تبعه في ذلك الأولاد».

أما المادة الثالثة عشرة فقد حددت الحالات التي يجوز فيها سحب الجنسية من غير الليبي الذي اكتسبها وفقا لأحكام القانون، خلال السنوات العشر التالية لحصوله عليها.

ثم جاءت المادة الرابعة عشرة لتقرر:

«يصدر قرار سحب الجنسية مسببا من مجلس الوزراء، بناء على عرض من وزير الداخلية، ويترتب على صدور القرار إلغاء كافة الحقوق والآثار المترتبة على اكتساب الجنسية».

ويكشف هذا التنظيم عن تمييز تشريعي واضح بين نظامين مختلفين.

الأول هو فقدان الجنسية، الذي يتحقق مباشرة بقوة القانون عند توافر أسبابه، دون اشتراط صدور قرار إداري.

والثاني هو سحب الجنسية، الذي يتطلب صدور قرار مسبب من السلطة التنفيذية المختصة.

ولو أراد المشرع أن يجعل فقدان الجنسية متوقفا على صدور قرار إداري، لنص على ذلك صراحة كما فعل بشأن سحب الجنسية.

أما وقد خص السحب وحده بهذا الإجراء، فإن مد نطاقه إلى الفقدان يعني إضافة شرط لم يتضمنه النص التشريعي، وهو أمر يتعارض مع مبدأ المشروعية وقواعد تفسير النصوص القانونية.

📌رابعا: انعدام الأثر المنشئ للقرار الإداري وعدم تأثير غيابه في فقدان الجنسية

إن نص المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010 جاء صريحا في ترتيب فقدان الجنسية على مجرد اكتساب المواطن الليبي جنسية أجنبية باختياره دون إذن من الجهة المختصة، ولم يجعل تحقق هذا الفقدان أو نفاذ آثاره معلقا على صدور أي قرار من السلطة التنفيذية.

ومن ثم، فإن فقدان الجنسية يقع بقوة القانون ذاته، منذ اللحظة التي تتحقق فيها الواقعة المنشئة له، دون حاجة إلى اتخاذ أي إجراء إداري لاحق، ودون أن يكون لامتناع الإدارة عن اتخاذ هذا الإجراء أو تأخرها فيه أي أثر على قيام حالة الفقدان أو نفاذ نتائجه القانونية.

ولا يجوز تفسير أحكام القانون على نحو يجعل فقدان الجنسية رهينا بصدور قرار إداري، لأن مثل هذا التفسير يؤدي إلى تعليق نفاذ النص التشريعي على إرادة السلطة التنفيذية، ويمنحها عمليا سلطة الإبقاء على جنسية قرر القانون فقدانها، وهو ما يتعارض مع مبدأ المشروعية ومبدأ تدرج القواعد القانونية.

أما إذا أصدرت الإدارة قرارا يتضمن إثبات واقعة فقدان الجنسية، فإن هذا القرار لا ينشئ الفقدان ولا يقرر نفاذه ولا يضيف إليه أي أثر قانوني، وإنما يقتصر على الكشف عن واقعة قانونية تحققت واكتملت آثارها سلفا بحكم القانون.

وبالتالي، فإن صدور هذا القرار أو عدم صدوره أمر لا تأثير له في وجود حالة الفقدان أو تاريخ تحققها أو الآثار القانونية المترتبة عليها.

ولا يصح الاستناد إلى الأحكام التي أوجبت صدور قرار مسبب بسحب الجنسية أو إسقاطها في القانون السابق رقم 18 لسنة 1980، أو بسحبها في القانون رقم 24 لسنة 2010، لتبرير اشتراط صدور قرار بشأن فقدان الجنسية؛ ذلك أن المشرع ميز صراحة بين هذه الحالات، ولم يخضع الفقدان للإجراءات المقررة للسحب والإسقاط.

والقول بضرورة صدور قرار إداري لفقدان الجنسية لا يمثل مجرد إضافة إجراء لم ينص عليه القانون، بل ينطوي على تغيير للطبيعة القانونية للفقدان، وتحويله من أثر تشريعي مباشر إلى أثر إداري يتوقف على إرادة السلطة التنفيذية، وهو ما لا يستقيم مع صراحة النص ومقتضيات مبدأ المشروعية.

وعليه، فإن المواطن الليبي الذي يكتسب جنسية أجنبية باختياره دون الإذن المقرر قانونا يفقد جنسيته الليبية فورا وبقوة القانون، وتترتب جميع الآثار القانونية لهذا الفقدان من تاريخ اكتساب الجنسية الأجنبية، بصرف النظر عن علم الإدارة بهذه الواقعة أو إثباتها في سجلاتها أو إصدار أي قرار بشأنها.

فالإدارة لا تملك إنشاء الفقدان، ولا تملك تعطيله، ولا يترتب على سكوتها أو امتناعها عن اتخاذ أي إجراء استمرار جنسية زالت بقوة القانون.

ومن المهم في هذا السياق التمييز بين إثبات الواقعة القانونية وبين تحقق آثارها.

فإثبات اكتساب الجنسية الأجنبية أمام الجهات القضائية أو الإدارية عند المنازعة يتعلق بوسائل الإثبات، ولا يمثل شرطا لنشوء الفقدان أو نفاذه.

فالفقدان يتحقق عند وقوع سببه القانوني، أما إثباته فهو مجرد وسيلة لإظهار واقعة قائمة بالفعل.

📌خامسا: اللائحة التنفيذية لا تملك تعليق فقدان الجنسية على اتخاذ إجراء إداري

أحالت المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010 إلى اللائحة التنفيذية لتحديد الضوابط المتعلقة بتنفيذ أحكامها.

غير أن هذه الإحالة لا تعني منح السلطة التنفيذية صلاحية تعديل شروط فقدان الجنسية أو تعليق تحقق الفقدان على صدور قرار إداري.

ذلك أن اللائحة التنفيذية، بحسب موقعها في التدرج التشريعي، تظل أدنى مرتبة من القانون، ولا يجوز لها تعطيل أحكامه أو إضافة شروط موضوعية لم ينص عليها.

وإذا كان القانون قد رتب فقدان الجنسية مباشرة على اكتساب جنسية أجنبية اختياريا دون إذن، فإن الضوابط التنفيذية لا يمكن أن تحول هذا الأثر من أثر يقع بقوة القانون إلى أثر لا ينشأ إلا بإرادة الإدارة.

وغاية ما يمكن أن تتناوله هذه الضوابط هو تنظيم إجراءات التحقق من الواقعة وإثباتها وتسجيلها، دون أن يكون لهذه الإجراءات أثر منشئ أو موقف للفقدان.

ومن ثم، فإن عدم اتخاذ الإدارة للإجراءات اللازمة، أو تأخرها في ذلك، لا يؤدي إلى استمرار الجنسية التي تحققت أسباب فقدانها قانونا.

فالامتناع الإداري عن إثبات واقعة الفقدان لا يعطل حكم القانون، كما أن التأخر في إصدار أي قرار كاشف لا ينقل تاريخ الفقدان إلى تاريخ صدوره.

📌سادسا: موقف القضاء الليبي من أثر اكتساب الجنسية الأجنبية على استمرار الجنسية الليبية – حكم محكمة استئناف البيضاء

شهد القضاء الإداري الليبي منازعة مهمة بشأن أثر اكتساب الجنسية الأجنبية على أهلية الشخص لتولي عضوية هيئة عامة، وذلك في الدعوى الإدارية رقم 5 لسنة 2016 المنظورة أمام الدائرة الإدارية بمحكمة استئناف البيضاء، والمتعلقة بعضوية علي عبد السلام الترهوني في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.

وقد صدر الحكم في موضوع الدعوى بتاريخ 28 نوفمبر 2016، وقضى بإلغاء قرار اعتماد انتخابه عضوا بالهيئة التأسيسية، وكذلك القرار المتعلق باختياره رئيسا لها.

وكان النزاع متعلقا بحمله الجنسية الأمريكية، ومدى استيفائه الشروط القانونية اللازمة لعضوية الهيئة التأسيسية في ضوء أحكام التشريع الليبي.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة باعتبارها تطبيقا قضائيا لأثر الجنسية الأجنبية على الأهلية القانونية لتولي عضوية إحدى الهيئات العامة.

كما أنها تؤكد أن مسألة الجنسية ليست مجرد بيان إداري أو صفة شكلية، وإنما مركز قانوني تترتب عليه آثار مباشرة في نطاق الأهلية لتولي المناصب والعضويات العامة.

ويتعين في هذا السياق التمييز بين ما انتهى إليه الحكم من إلغاء قراري العضوية والرئاسة، وبين الاستدلال الفقهي المستخلص من أحكام قانون الجنسية بشأن تحقق الفقدان بقوة القانون دون حاجة إلى قرار إداري.

فالحكم يمثل سابقة قضائية ذات صلة بأثر اكتساب الجنسية الأجنبية على الأهلية القانونية، بينما يستند القول بعدم اشتراط القرار الإداري المنشئ إلى التفسير المتكامل للمادة الخامسة من قانون الجنسية وأحكامه المتعلقة بالسحب والفقدان.

المرجع القضائي: محكمة استئناف البيضاء، الدائرة الإدارية، الدعوى رقم 5 لسنة 2016، الحكم الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2016، بشأن عضوية علي عبد السلام الترهوني في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.

📌سابعا: موقف محكمة استئناف طرابلس من فقدان الجنسية الليبية وأثره على مشروعية القرارات الإدارية – قضية فرحات بن قدارة

شهد القضاء الإداري الليبي منازعة أخرى ذات أهمية في تطبيق أحكام المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن الجنسية الليبية، وذلك في الدعوى الإدارية رقم 455 لسنة 2023، المنظورة أمام الدائرة الإدارية الأولى بمحكمة استئناف طرابلس، والمتعلقة بمشروعية قرار إداري صادر عن فرحات عمر بن قدارة بصفته رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

وقد أثير في هذه الدعوى الدفع بفقدان المذكور للجنسية الليبية نتيجة اكتسابه الجنسية الإماراتية دون الحصول على الإذن المقرر قانونا، وما يترتب على ذلك من آثار على أهليته لتولي الوظيفة العامة ومشروعية القرارات الصادرة عنه.

ووفقا لما لأسباب الحكم في ديسمبر 2024، تناولت المحكمة أثر اكتساب الجنسية الأجنبية دون مراعاة الضوابط المقررة في قانون الجنسية الليبي، ومدى انعكاس ذلك على استمرار التمتع بالجنسية الليبية والأهلية لتولي الوظائف العامة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تثير مسألة قانونية تتجاوز مجرد مشروعية القرار الإداري محل الطعن، وتتعلق بالمركز القانوني للشخص الذي أصدره، ومدى استيفائه الشروط القانونية اللازمة لتولي الوظيفة التي يمارس اختصاصاتها.

ذلك أن فقدان الجنسية الليبية، وفقا للتفسير المستفاد من المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010، يتحقق بقوة القانون بمجرد اكتساب جنسية أجنبية اختياريا دون إذن، ولا يتوقف على صدور قرار إداري يقرر الفقدان أو يثبت وقوعه.

ومن ثم، فإن عدم صدور قرار إداري بشأن فقدان الجنسية لا يصلح بذاته أساسا للقول باستمرار التمتع بها، ولا يمكن أن يحول دون ترتيب الآثار القانونية الناشئة عن الفقدان متى ثبت تحقق شروطه.

وتؤكد هذه المنازعة أهمية التمييز بين وجود المركز القانوني وإثباته، وبين تحقق الأثر القانوني مباشرة بنص التشريع. فصدور قرار إداري بإثبات فقدان الجنسية أو عدم صدوره لا يغير، وفقا للتفسير الذي تتبناه هذه الدراسة، من تاريخ تحقق الفقدان أو نفاذ آثاره.

وبذلك تنضم هذه القضية، من حيث موضوع البحث القانوني الذي أثارته، إلى المنازعات القضائية المتعلقة بأثر اكتساب الجنسية الأجنبية على الأهلية لتولي المناصب والوظائف العامة، ومن بينها حكم محكمة استئناف البيضاء بشأن عضوية علي الترهوني في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.

المرجع القضائي: محكمة استئناف طرابلس، الدائرة الإدارية الأولى، الدعوى الإدارية رقم 455 لسنة 2023، قضية فرحات عمر بن قدارة، الحكم الصادر بشأن بن قدارة في ديسمبر 2024.

📌ثامنا: موقف إدارة القانون من أثر ازدواج الجنسية على شغل الوظيفة العامة

لم تقتصر مسألة اكتساب الجنسية الأجنبية وآثارها على المنازعات القضائية، بل كانت كذلك محلا للبحث في نطاق الإفتاء القانوني الصادر عن إدارة القانون الليبية.

وفي هذا السياق، يشار إلى فتوى إدارة القانون رقم 153 لسنة 2015، المتعلقة بمدى قانونية إيفاد موظف عام للعمل بالخارج في ظل حمله جنسية أجنبية إلى جانب الجنسية الليبية.

وتكتسب هذه الفتوى أهمية من حيث اتصال موضوعها بأحكام فقدان الجنسية الليبية عند اكتساب جنسية أجنبية، وانعكاس ذلك على المركز الوظيفي للشخص المعني.

فالمسألة لا تتعلق بمجرد الاعتراف بازدواج الجنسية من عدمه، وإنما بتحديد مدى استمرار توافر شرط الجنسية الليبية في الشخص الذي اكتسب جنسية أجنبية اختياريا دون إذن من الجهة المختصة.

ومن الناحية القانونية، فإن تطبيق المادة الخامسة من القانون رقم 24 لسنة 2010 يقتضي النظر إلى تاريخ اكتساب الجنسية الأجنبية وطريقة اكتسابها، ومدى وجود الإذن الذي استثناه المشرع من أسباب الفقدان.

فإذا تحققت شروط الفقدان، فإن أثرها يقع بقوة القانون، ولا يجوز تعليق استمرار الجنسية أو زوالها على اتخاذ إجراء إداري لاحق.

وتبرز أهمية فتوى إدارة القانون المشار إليها بوصفها مرجعا في البحث القانوني المتعلق بعلاقة الجنسية بالأهلية الوظيفية، إلى جانب الأحكام القضائية والتشريعات المنظمة لهذه المسألة.

المرجع: إدارة القانون الليبية، الفتوى رقم 153 لسنة 2015، بشأن مدى قانونية إيفاد موظف عام يحمل جنسية أجنبية إلى جانب الجنسية الليبية.

📌تاسعا: أثر فقدان الجنسية على مشروعية تولي الوظائف العامة

لا تقتصر الآثار القانونية لفقدان الجنسية على زوال الرابطة القانونية بين الفرد والدولة، بل تمتد إلى أهليته لتولي الوظائف العامة التي اشترط المشرع لشغلها التمتع بالجنسية الليبية.

فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 128 من القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل على أنه:

«يشترط في المرشح لشغل إحدى وظائف ملاكات الوحدات الإدارية ما يلي:

1- أن يكون متمتعا بجنسية ليبيا».

ومؤدى هذا النص أن التمتع بالجنسية الليبية يمثل شرطا قانونيا لازما لشغل الوظائف الخاضعة لأحكامه.

ولم يكتف المشرع بتقرير هذا الشرط، بل رتب البطلان على مخالفته، حيث نصت المادة 181 من القانون ذاته على أنه:

«تعتبر باطلة القرارات الصادرة بشغل الوظائف العامة وغيرها من القرارات المتعلقة بالشؤون الوظيفية في الحالات الآتية:

إذا كان الموظف فاقدا لأي شرط من الشروط المقررة لشغل الوظيفة والترقية وفقا للقوانين واللوائح السارية.

إذا صدر القرار نتيجة استعمال وسيلة من وسائل الغش أو التدليس أو غيرها من وسائل الخداع.

إذا صدر القرار من جهة غير مختصة بإصداره.

إذا كان القرار مستندا على معلومات وبيانات غير صحيحة.

ويكون سحب القرارات الصادرة من الجهة التي أصدرتها، ولا تتحصن هذه القرارات بمرور المدة، أو استيفائها للشروط المطلوبة بعد صدورها مع عدم الإخلال بمساءلة المسؤول عن إصدارها تأديبيا وفقا لأحكام هذا القانون».

ويكشف هذا النص عن اتجاه تشريعي واضح إلى حماية مبدأ المشروعية في شغل الوظائف العامة، ومنع اكتساب المراكز الوظيفية المخالفة للقانون حصانة لمجرد مرور الزمن.

وعليه، فإن الشخص الذي اكتسب جنسية أجنبية باختياره دون الإذن المقرر قانونا، ثم تولى وظيفة عامة يشترط القانون لشغلها الجنسية الليبية، يكون فاقدا لهذا الشرط منذ تاريخ اكتسابه الجنسية الأجنبية، وليس من تاريخ صدور قرار إداري يثبت فقدانه للجنسية الليبية.

ولا يمكن لقرار التعيين اللاحق أن يعيد إليه جنسية فقدها بقوة القانون، كما لا يمكن لاستمراره في ممارسة الوظيفة أن يصحح تخلف شرط جوهري من شروط شغلها.

ذلك أن القرار الإداري الصادر بالتعيين لا يملك إنشاء جنسية أو الإبقاء على جنسية زالت وفقا لأحكام القانون.

📌عاشرا: المسؤولية الجنائية الناشئة عن الإدلاء ببيانات غير صحيحة بشأن الجنسية

يثور إلى جانب الآثار الإدارية لفقدان الجنسية تساؤل يتعلق بالمسؤولية الجنائية للشخص الذي يدلي ببيانات غير صحيحة بشأن جنسيته أمام السلطات العامة، بقصد الحصول على وظيفة يشترط القانون لشغلها التمتع بالجنسية الليبية.

فقد نصت المادة 356 من قانون العقوبات الليبي على أنه:

«يعاقب بالحبس كل من قرر أو أدلى بصدد إجراء عمومي أمام موظف عمومي ببيانات كاذبة عن هويته أو أحواله أو صفاته الشخصية أو هوية غيره أو أحواله أو صفاته الشخصية».

وقد فسرت المحكمة العليا الليبية هذا النص في الطعن الجنائي رقم 303 لسنة 28 قضائية بقولها:

«من المقرر أن جريمة الإدلاء ببيانات كاذبة عن الهوية أمام موظف عمومي والمنصوص عليها في المادة 356 من قانون العقوبات تتحقق بإدلاء الجاني لموظف عمومي ببيانات كاذبة عن هويته أو أحواله أو صفاته الشخصية أو هوية غيره أو أحواله أو صفاته الشخصية بصدد إجراء عمومي مع علمه بأن هذه البيانات غير صحيحة».

ولما كانت الجنسية من الصفات القانونية الأساسية التي تحدد المركز القانوني للشخص، فإن الإدلاء ببيانات غير صحيحة بشأنها أمام موظف عمومي بصدد إجراء عمومي يدخل في نطاق البحث في أحكام التجريم المنصوص عليها في المادة المذكورة، متى ثبتت أركان الجريمة.

وتبرز هنا أهمية الأثر الفوري لفقدان الجنسية، إذ لا يجوز الاحتجاج بعدم صدور قرار إداري بشأن الفقدان للقول باستمرار الجنسية الليبية، طالما أن شروط الفقدان التي قررها القانون قد تحققت بالفعل.

فعدم صدور قرار إداري لا يحول البيانات غير الصحيحة إلى بيانات صحيحة، ولا يعيد للشخص جنسية زالت عنه بقوة القانون.

وبالتالي، فإن التحقق من صحة البيانات المتعلقة بالجنسية يجب أن يستند إلى المركز القانوني الحقيقي للشخص وقت الإدلاء بها، وليس إلى مجرد استمرار قيده في السجلات الإدارية أو عدم صدور قرار بإثبات فقدانه للجنسية.

📌حادي عشر: النتائج القانونية

يترتب على التفسير المتقدم لأحكام القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن الجنسية الليبية عدد من النتائج القانونية:

1. أن اكتساب المواطن الليبي جنسية أجنبية باختياره، دون الإذن القانوني، يؤدي إلى فقدانه الجنسية الليبية فورا وبقوة القانون.

2. أن فقدان الجنسية لا يتوقف على صدور قرار من مجلس الوزراء أو وزارة الداخلية أو أية جهة تنفيذية أخرى.

3. أن أي قرار إداري يصدر لإثبات حالة الفقدان لا يعدو أن يكون إجراء كاشفا عن واقعة قانونية تحققت سلفا، ولا يضيف إليها أي أثر منشئ.

4. أن عدم صدور القرار الإداري لا يترتب عليه استمرار الجنسية الليبية أو تأجيل فقدانها أو تعطيل الآثار القانونية الناشئة عن زوالها.

5. أن تاريخ فقدان الجنسية هو تاريخ اكتساب الجنسية الأجنبية اختياريا دون إذن، وليس تاريخ علم الإدارة أو صدور قرار بشأنها.

6. أن اشتراط صدور قرار مسبب في حالات سحب الجنسية وإسقاطها لا يمتد إلى حالة الفقدان، لاختلاف الطبيعة القانونية لكل منها.

7. أن اللائحة التنفيذية لا تملك تعليق أثر الفقدان الذي رتبه القانون على اتخاذ إجراءات إدارية لاحقة.

8. أن فقدان الجنسية يرتب آثاره على أهلية الشخص لتولي الوظائف العامة التي يشترط القانون لشغلها التمتع بالجنسية الليبية.

9. أن استمرار القيد الإداري للشخص باعتباره ليبيا لا ينشئ له جنسية فقدها بقوة القانون، ولا يصلح بذاته سندا للقول باستمرار تمتعه بها.

10. أن حكم محكمة استئناف البيضاء بشأن عضوية علي الترهوني، والدعوى الإدارية رقم 455 لسنة 2023 أمام محكمة استئناف طرابلس بشأن فرحات بن قدارة، وفتوى إدارة القانون رقم 153 لسنة 2015، تمثل مراجع تطبيقية ذات صلة بالبحث في الآثار القانونية لاكتساب الجنسية الأجنبية على الأهلية لتولي المناصب والوظائف العامة، مع ضرورة الرجوع إلى أسباب الأحكام ونص الفتوى الأصلي لتحديد المبادئ القانونية التي قررتها بصورة صريحة.

🔹إن القراءة المتكاملة لأحكام القانون رقم 18 لسنة 1980 بشأن الجنسية العربية، والقانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن الجنسية الليبية، تقود إلى نتيجة قانونية مؤداها أن المشرع لم يجعل فقدان الجنسية نتيجة لقرار إداري، وإنما جعله أثرا مباشرا لتحقق الواقعة التي حددها القانون.

وقد أكد القانون الجديد هذا التمييز حين أفرد أحكاما للفقدان وأخرى للسحب، واشترط صدور قرار مسبب في الحالة الثانية دون الأولى.

كما أن المنازعات القضائية والآراء القانونية المتعلقة بأثر اكتساب الجنسية الأجنبية على تولي المناصب العامة، ومنها حكم محكمة استئناف البيضاء الصادر في 28 نوفمبر 2016، والدعوى الإدارية رقم 455 لسنة 2023 أمام محكمة استئناف طرابلس، وفتوى إدارة القانون رقم 153 لسنة 2015، تكشف عن الأهمية العملية لهذه المسألة وانعكاساتها على مشروعية شغل الوظائف والعضويات العامة.

وعليه، فإن اكتساب المواطن الليبي جنسية أجنبية باختياره، دون الحصول على الإذن القانوني اللازم، يرتب وفقا للتفسير الذي تتبناه هذه الدراسة فقدانه للجنسية الليبية من تاريخ الاكتساب ذاته، ولا يتوقف هذا الأثر على إرادة الإدارة أو تدخلها.

ولا يجوز تحويل أي إجراء إداري إلى شرط لنفاذ حكم القانون، لأن ذلك يعني منح السلطة التنفيذية صلاحية تعطيل أثر تشريعي مباشر، وإبقاء مركز قانوني قرر المشرع زواله.

فالجنسية التي يفقدها المواطن بقوة القانون لا تبقى قائمة لمجرد أن الإدارة لم تصدر قرارا بفقدانها، كما أن سكوت السلطة التنفيذية لا يملك تعطيل حكم تشريعي نافذ.

إن القانون هو الذي يرتب الفقدان، لا القرار الإداري؛ والواقعة القانونية هي التي تحدد تاريخ زوال الجنسية، لا تاريخ علم الإدارة بها أو إثباتها. وكل تفسير يجعل نفاذ الفقدان معلقا على تدخل السلطة التنفيذية إنما يضيف إلى القانون شرطا لم يقرره المشرع، ويخل بمبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

“كاترميني”: وصول 264 مهاجراً إلى جزيرة كريت قادمين من شمال إفريقيا خلال ليلة واحدة