in

توصيات ومبادئ التقرير المرجعي للمسار الاقتصادي للحوار المهيكل

اختتم اليوم الحوار المهيكل ، بمساراته الأربعة ، أعماله في اجتماع موسع ضم كافة اعضاء المسار والبالغ عددهم 124 عضواً ، وكانت لي فرصة المشاركة في المسار الاقتصادي بالحوار المهيكل على امتداد الفترة التي استغرقها الحوار والتي تجاوزت الخمسة شهور .ولاهمية ما تضمنه التقرير المرجعي للمسار الاقتصادي والذي تجاوزت صفحاته 400 صفحة ، ملخص تنفيذي في حدود 30 صفحة ، لم يترك جانباً من جوانب الاقتصاد الوطني والتحديات التي تواجهه الاّ وتم تناولها وإعداد التوصيات المناسبة حيالها . ويمكن النظر إلى التقرير المرجعي على انه رؤية استشرافية وخارطة طريق لاعادة بناء هيكل الاقتصاد الليبي ، وتحريره من الطبيعة الريعية ليكون في مصاف الاقتصادات المنوعة والمنتجة ، وان يدار بطريقة مسؤلة وشفافة ، تحترم الإنسان وتعتبره هدف التنمية ، وبما يحقق دولة الرفاه للجميع ، بالإضافة للتعامل مع القضايا العاجلة والملحة ، والتشوهات المستجدة ، وإعداد التوصيات المناسبة حيالها .

ونظراً لاهمية ما ورد بالتقرير المرجعي للمسار الاقتصادي ، وددت مشاركتم خلاصة ما انتهى اليه التقرير من توصيات مركزة ، وضعت على انها مبادي حاكمة ( Governing Rules) , وذلك على النحو التالي :

أن الإصلاح الاقتصادي في ليبيا ضرورة وجودية ينبغي الالتزام بها من قبل كافة السلطات ( التشريعية والتنفيذية والنقدية ) و يتطلب تحقيق الإصلاح الاقتصادي وتنويع الاقتصاد ، وضع رؤية و تبني حزمة من السياسات المتكاملة والإجراءات المتزامنة والمتوالية، وفقاً لأطر زمنية ؛ على المدى القصير والمتوسط والطويل ، وغير القابلة للتجزئة، والتي تتمحور حول المبادئ الحاكمة التالية:

أولا: (تَبنِّي رؤية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه) تتضمن الانتقال التدريجي بالاقتصاد الليبي من الحالة الريعية إلى نموذج الدولة المنتجة للقيمة، من خلال التأسيس لنظام اقتصاد اجتماعي تنافسي يتضمن توزيع عادل وكفؤ للموارد الاقتصادية ويعتمد المعرفة ويستثمر فيها كمورد اقتصادي غير ناضب، تتنوع به مصادر الدخل، ويكون فيه للقطاع الخاص دوراً محورياً بناءً ، وتحويل ليبيا إلى مركز اقتصادي تقني وخدمي رائد في شمال أفريقيا، تتأسس هويته على المقومات الذاتية للاقتصاد والمزايا النسبية المقارنة التي تتميز بها موارده.

ثانياً: كفاءة الأسواق (تخصيص الموارد) : ضمان عمل الأسواق بحرية وتنافسية ، ومنع الاحتكار ، لتوجيه الموارد الاقتصادية نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية، مما يقلل من الهدر ويزيد من الإنتاجية، ويعزز آفاق النمو الاقتصادي .

ثالثاً: سيادة الموارد ووحدة الوعاء المالي: تُعد الموارد الطبيعية بما فيها مورد النفط والغاز ملك لكل الليبيين، وفي استغلالها وإدارتها تعد ملكية عامة سيادية للدولة الليبية، وتُدار عوائد استغلالها وفق مبدأ ” وحدة الخزانة”. ويُحظر قانوناً تأسيس أي صناديق أو أوعية مالية عامة موازية للصناديق السيادية القائمة على استثمار عوائد الموارد والثروات الطبيعية، او التصرف في مواردها خارج إطار الميزانية العامة الواحدة للدولة. وتلتزم السلطة التنفيذية باعتماد “حساب الخزانة الموحد ” كأداة وحيدة لإدارة السيولة العامة، مع توجيه المخصصات التنموية وفق معايير الاستدامة والعدالة المكانية المرتكزة على مؤشرات الفجوات التنموية.

رابعا: الثروات الوطنية وكيفية الاستفادة منها : الثروات الطبيعية ملك لكل الليبيين، ولا يجوز تقسيمها او الحجز عليها، وتكون الاستفادة منها للجميع وتوضيفها اقتصاديا بكفاءة عالية، من خلال تعظيم عوائدها، وبما يكفل تحقيق تنمية اقتصادية مكانية عادلة ومستدامة، تراعي الظروف والأوضاع الاقتصادية للمناطق التي تتواجد بها هذه الموارد، في اطار برامج التنمية المستدامة .

خامسا: التحول الهيكلي وإدارة القيمة المضافة: تلتزم الدولة بإقرار تشريعات تُلزم قطاع النفط والغاز بالتحول من “نموذج التصدير الريعي” إلى “نموذج التصنيع ذي القيمة المضافة”، ويُحظر حظراً تاماً إبرام اتفاقيات المقايضة للنفط الخام بالمحروقات، او إبرام اتفاقيات تطوير من شأنها تقليص حصة الجانب الليبي في الاتفاقيات القائمة، وتُدرج كافة التدفقات النقدية النفطية (الداخلة والخارجة) ضمن القيود المحاسبية للميزانية العامة للدولة .كما تُمنح الأولوية التمويلية للاستثمار في الصناعات التحويلية والبتروكيميائية لتعظيم الناتج الإجمالي، وتنويع مصادر الدخل.

سادسا: الانتقال الوظيفي للدولة (من المُشغَل إلى المُنظّم): في اطار اعادة الهيكلة الاقتصادية تُعدل القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي لإعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي بوصفها “سلطة تنظيمية ورقابية”، مع التخارج التدريجي من الإدارة المباشرة للإنتاج والخدمات (فصل الملكية عن الادارة) ويُطور الإطار القانوني الخاص بالمناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، وتتمتع باستقلال إداري وضريبي، وتحويل الموقع الجغرافي الليبي، باعتباره موردا اقتصاديا، إلى منصة تجارية دولية رائدة، في اطار تنويع الاقتصاد وإيجاد مصادر بديلة للدخل .

سابعا: العقد الاجتماعي والحماية الاستباقية: تلتزم الدولة قانوناً بتأسيس منظومة رقمية متكاملة للحماية الاجتماعية بحيث تضمن مستويات مناسبة من الدخل الحقيقي للمواطن في مواجهة ما قد يتعرض له من أحداث تفقده القدرة على اكتساب الدخل، والتركيز على الفئات الهشة للحيلولة دون وقوعها تحت خط الفقر، وذلك قبل الشروع في أي إصلاحات اقتصادية هيكلية مكلفة اجتماعيا. كما تلتزم الدولة بتطوير شبكة أمان مالي للحد من المخاطر النظامية التي قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي. وفي المقابل، يُعد الامتثال الضريبي والجمركي استحقاقاً قانونياً ملزماً لكافة الأفراد والوحدات الاقتصادية، ويُربط الحصول على الخدمات العامة بمدى الالتزام بالواجبات المالية تجاه الخزانة العامة.

ثامنا: قواعد الحوكمة والمساءلة المؤسسية: تتبنى الدولة المعايير الدولية المعتمدة، وفقاً لأفضل الممارسات، كإطار قانوني ملزم لتقييم الأداء المالي للمؤسسات. وتلتزم كافة الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة بمبدأ “الإفصاح الشامل” ومنع تضارب المصالح. ويُعد عدم إقفال الحسابات الختامية السنوية في مواعيدها المحددة قانوناً موجباً للمساءلة القانونية الجنائية والإدارية للمسؤولين عن الإدارة المالية والمحاسبية.

تاسعا: مكافحة الفساد الاقتصادي والإداري والمالي: يُصنف التلاعب بالإيرادات العامة، وسوء توظيفها، واستغلال الوظيفة، والتهريب العابر للحدود، بوصفها “جرائم ماسة بالأمن الوطني”. وتلتزم الحكومة بتفعيل “الرقم الاقتصادي الموحد” كشرط قانوني لشرعية أي معاملة مالية أو تجارية. ويُحظر استخدام السياسة النقدية أو سعر الصرف كأداة لمعالجة القصور الأمني في حماية المنافذ والحدود.

عاشرا: استقلالية السلطة النقدية وحرمة المال العام: يُعد القانون رقم (1) لسنة 2005 بشأن المصارف وتعديلاته المرجع الوحيد لإدارة السياسة النقدية، ويُحضر على اية جهة إملاء او فرض سياسات نقدية او مصرفية بالمخالفة لقانون المصارف ، وتُحصر صلاحيات إدارة المصرف المركزي في “المحافظ ونائبه ومجلس الإدارة”. ويخضع مجلس ادارة المصرف المركزي للمساءلة أمام السلطة التشريعية وفقاً لأحكام القانون. ويُحظر قانوناً على المصرف المركزي منح أي قروض للجهات العامة لسد العجز المالي، ويُعتبر تمويل الإنفاق العام عبر “التمويل بالعجز” مخالفة قانونية جسيمة تستوجب المحاسبة مالم يكن قد صدر بذلك قانون.

حادي عشر: تحرير الدورة الاقتصادية والقطاع الخاص: تلتزم السلطة التنفيذية بالتنفيذ الصارم للتشريعات المنظمة لمنع الاحتكار وحماية المنافسة، لتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي ، وتنويع هيكل الناتج المحلي الاجمالي.

ثاني عشر: ضوابط الاستثمار الأجنبي المباشر: يُنظم الاستثمار الأجنبي بموجب عقود تضمن “نقل المعرفة وتوطين التقنية” وتوفير فرص عمل وطنية. وتوجه مساهمة الاستثمار الاجنبي لتنويع الاقتصاد والمشاركة مع الاستثمار المحلي الخاص، وتُمنح الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة المتجددة والمناطق الحرة والصناعات التصديرية حوافز ضريبية مشروطة بتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الكلي، مع ضمان الحماية القانونية للأصول وفق المعايير الدولية.

ثالث عشر: الشروط السيادية لإصلاح منظومة الدعم: اصلاح الدعم يعتبر مطلباً اقتصادياً واجباً ، و يُحظر الشروع في أي برنامج وطني لإعادة هيكلة دعم المحروقات ، إلا في إطار استحقاق سيادي ومؤسسي متكامل، يرتكز وجوباً على وجود “سلطة تنفيذية واحدة” تبسط سيادتها الناجزة على كافة التراب الليبي والمنافذ والحدود، وتلتزم بالوقف الفوري والنهائي لنظام “مقايضة الخام بالمحروقات” المخالف للأصول المالية، ويشترط لاي اصلاح للدعم تطوير نظام رقمي متكامل وفعال للحماية الاجتماعية للفئات المستهدفة بالدعم والمستحقة له. واستخدام تقنيات “التتبع الرقمي” لمنع التهريب البحري والبري للوقود بوصفه مسؤولية أمنية وتقنية تقع على كاهل الدولة، وبناء نظام للمواصلات العامة داخل المدن وفيما بينها، كمتطلبات تسبق أي إجراء سعري، ويكون نوع الدعم باشكاله المختلفة دعماً للمستهلك وليس للسلعة ، كما يشترط للبدء في هذا التوجه استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي، والرفع المسبق لمستويات الدخل الحقيقي للمواطن بهدف صيانة السلم الاجتماعي ومنعا لتحميل المواطن كلفة القصور الأمني أو الفساد الإداري والمالي.

رابع عشر : حياد سعر الصرف وحماية القوة الشرائية: يُقِر مبدأ “الحياد المالي لسعر الصرف”، ويُحظر حظراَ مطلقاَ استخدام سياسة تعديل القيمة التعادلية للدينار الليبي أو فرض ضرائب على النقد الأجنبي لغرض تغطية عجز الموازنة العامة أو زيادة ايرادات الحكومة . وتُعالج اختلالات المالية العامة حصرا عبر أدوات السياسة المالية (الجباية والترشيد والاقتراض من السوق ).

خامس عشر: تعد تقديرات برامج الانفاق العام بالميزانية العامة للدولة في حدود الإيرادات المتوقعة التي تؤسّس على سعر نفط تحفظي، وبما يتناسب والطاقة الاستيعابية للاقتصاد. وتعد الميزانية العامة للدولة متوازنة ، مالم يطرأ اضطراب اقتصادي او مالي يستوجب اقرار ميزانية عامة بعجز ، ويصدر بذلك قانون يحدد مصادر تمويل العجز.

سادس عشر: الاستدامة البيئية : مراعاة البعد البيئي في الأنشطة الاقتصادية لضمان تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم .

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

السفارة السودانية بطرابلس: مواطنونا في ليبيا يرغبون في العودة طوعًا لا التوطين