Menu
in

الدينار الليبي الأسوأ أداء عالميا منذ بداية 2026

 

منذ مطلع عام 2026 شهد الاقتصاد الليبي، ضغوطاً حادة ومتسارعة انعكست مباشرة على قيمة الدينار الليبي.

ووفقاً للبيانات الإحصائية الصادرة عن وكالة بلومبرغ العالمية، تصدر الدينار الليبي قائمة أسوأ العملات أداءً عالمياً وعربياً بنسبة تراجع بلغت 15.6-%، متقدما على عملات دول أخرى تعاني من أزمات هيكلية كبرى مثل الدينار العراقي والليرة التركية والجنيه المصري.

وتلا الدينار الليبي مباشرة في قائمة التراجعات العربية الدينار العراقي الذي سجل انخفاضاً بنسبة 14.2-%.

كما شملت قائمة التراجعات الحادة عملات دولية وإقليمية أخرى؛ حيث حلّت الليرة التركية في المرتبة الثالثة بنسبة تراجع 13.3-%، يليه الشلن الأوغندي بنسبة 12.7-%. وفي المرتبة الخامسة عالمياً، جاء الجنيه المصري كثالث أسوأ العملات العربية أداءً بنسبة هبوط بلغت 11.6-%.

أما على صعيد العملات العربية الأخرى في القائمة، فقد شهد الدرهم المغربي تراجعاً طفيفاً ومستقراً بنسبة 6.7-%، بالتساوي مع كل من البيزو الفلبيني والروبية السريلانكية.

نقطة التحول: قرار خفض القيمة الرسمي

بدأت الملامح الرسمية لهذا الهبوط الممنهج في 18 يناير 2026، عندما أعلن مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي رسمياً تعديل سعر الصرف لخفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% وبموجب هذا التعديل، تراجع السعر الرسمي ليتحرك حول مستويات 6.43 دنانير للدولار.

جاءت خطوة المصرف المركزي كمحاولة اضطرارية لمعالجة اتساع الإنفاق العام غير المستدام، والعجز المتنامي في الميزانية العامة للدولة في ظل انقسام المؤسسات المالية.

اقتصاد الظل: معضلة الفجوة مع السوق الموازية

على الرغم من مساعي الإدارة النقدية لضبط السوق عبر تعديل السعر الرسمي، إلا أن النتائج على أرض الواقع كشفت عن اتساع أعمق في “اقتصاد الظل”.

• سعر الصرف في السوق السوداء:

واصل الدولار الارتفاع في تداولات السوق الموازية ليتحرك اليوم فوق حاجز الـ 10 دنانير (مسجلاً قرابة 10.11 دنانير للتداول النقدي الكاش).

• أزمة الصكوك والمقاصة:

تعمقت الفجوة السعرية بصورة أكبر في المعاملات المالية المعتمدة على الصكوك المصرفية، حيث قفزت أسعار الدولار عبر الصكوك لتتراوح بين 10.16 و10.24 دنانير في المصارف التجارية الكبرى (مثل مصرف الجمهورية والوحدة ومصرف التجارة والتنمية).

هذا الفارق بين “الكاش” و”الصك المصرفي” يعكس أزمة سيولة مستمرة وضعف الثقة في النظام البنكي التجاري.

الجذور الهيكلية للأزمة الحالية

لم يكن التراجع وليد قرارات إدارية فحسب، بل هو نتاج لبيئة اقتصادية شديدة التعقيد تتسم بالآتي:

1. عجز وفجوة النقد الأجنبي: تعاني البلاد من فجوة متسعة بين حجم استخدامات النقد الأجنبي (الاستيراد والاعتمادات والتحويلات) وبين الإيرادات النفطية الموردة، مما يفرض ضغطاً لا يتوقف على الاحتياطيات النقدية.

2. الاعتماد المطلق على النفط:

يرتبط مصير الدينار الليبي ارتباطاً عضوياً بعائدات النفط التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة.

وأي تذبذب في معدلات الإنتاج أو التصدير أو أسعار النفط العالمية يترجم فوراً إلى أزمة نقص في المعروض من النقد الأجنبي.

3. المضاربات وغياب التنسيق:

يتغذى السوق الموازي على المضاربات اليومية والشائعات، في ظل انقسام سياسي يمنع صياغة ميزانية عامة موحدة ومنضبطة قادرة على كبح الإنفاق العشوائي.

الانعكاس المعيشي على المواطن

تتجاوز أرقام بلومبرغ (15.6-%) مجرد رصد بياني لتتحول إلى واقع معيشي قاسٍ يمس جيب المواطن الليبي يوميا.

وبما أن ليبيا تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد السلع التموينية، والأدوية، والملابس، والمواد الإنشائية من الخارج، فإن أي هبوط في القوة الشرائية للدينار يتبعه مباشرة موجة غلاء وتضخم عارم في الأسواق المحلية.

هذا الأمر يضع أصحاب الدخول الثابتة والمرتبات المحدودة بالعملة المحلية أمام تحديات يومية لتأمين الاحتياجات الأساسية لشرائح واسعة من المجتمع.

إيرادات النفط وحجم العجز في النقد الأجنبي

كشفت التقارير الأخيرة لمصرف ليبيا المركزي عن فجوة تمويلية ضخمة بين ما تدفعه الدولة بالعملة الصعبة وبين ما تجنيه من صادرات النفط والغاز:

• إيرادات النفط والسيادية:
بلغت إجمالي الإيرادات النفطية والسيادية المحصلة منذ مطلع العام نحو 14.1 مليار دولار.

• الاستخدامات والالتزامات القائمة:
بلغ حجم استخدامات النقد الأجنبي (الاعتمادات المستندية، حوالات الأغراض الشخصية، ومصروفات الحكومة) حوالي 18.8 مليار دولار.

• حجم العجز الصافي:

سجلت البلاد عجزاً مباشراً في النقد الأجنبي بلغ 4.7 مليارات دولار، وتمت تغطية هذا العجز بالكامل من خلال السحب من الاحتياطيات النقدية الاستراتيجية للدولة.

 

ووسط هذا العجز المتزايد والإنفاق المتضخم المنفلت للأطراف المختلفة وضعف تحصيل الإيرادات النفطية التي تآكلت لتضخم فاتورة المحروقات جراء الفساد، يزداد الدينار ضعفا على ضعف ومعه تتراكم معاناة المواطن الذي يواجه الغلاء المتسارع والتضخم المستفحل، فهل يمكن للمركزي مقاومة كل هذه الضغوط أم سيخفض الدينار مجددا كالعادة؟

ووسط هذا العجز المتزايد والإنفاق المتضخم المنفلت للأطراف المختلفة وضعف تحصيل الإيرادات النفطية التي تآكلت لتضخم فاتورة المحروقات جراء الفساد، يزداد الدينار ضعفا على ضعف ومعه تتراكم معاناة المواطن الذي يواجه الغلاء المتسارع والتضخم المستفحل، فهل يمكن للمركزي مقاومة كل هذه الضغوط أم سيخفض الدينار مجددا كالعادة؟

Exit mobile version