in

مناكفات المؤسسة والمصرف.. ما الذي يغيب عن الحوار رقمياً؟

 

شهدنا معركة حامية الوطيس بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط حول الإيرادات النفطية لشهر أكتوبر 2026، وشارك فيها الكثير من المعلقين، وحقيقةً لا أظن أن أحداً أصاب جوهر الموضوع.

بعد انجلاء الغبار، دعونا نتحدث بعقلانية وبحسبة الورقة والقلم، دون أن ندخل بيننا الذكاء الاصطناعي ولا حسبة العزايز.

كانت بداية المعركة يوم 15 أكتوبر 2026، عندما أصدر مصرف ليبيا المركزي بياناً مفاجئاً غير مجدول، أعلن فيه عن الإيرادات التي وصلت إلى حساباته حتى يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 من حصيلة مبيعات النفط للمؤسسة الوطنية للنفط، حيث أعلن أن المبلغ الذي وصل هو 361 مليون دولار، وميّزه بتعبير «فقط»، وما يدل على ذلك بلاغياً.

في العموم، كانت صيغة البيان مستفزة، حيث كان بين طياتها اتهام غير صريح للمؤسسة، إذ استغرب البيان انخفاض العائدات في وقت تشهد فيه الأسعار النفطية ارتفاعاً حاداً، حيث وصل السعر في سبتمبر إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

ردت المؤسسة بشكل عصبي، نافية الاتهام المبطن في بيان مطول، وطالبت الجهات القضائية والرقابية بالتحقيق في الموضوع، ونشرت التحويلات المالية التي تمت خلال شهر أكتوبر 2026 للحساب السيادي الموجود في المصرف الليبي الخارجي، وكان إجمالي التحويلات 1.4 مليار دولار.

الفرق هنا 1.039 مليار دولار.

وتلافياً للتضارب الذي حدث، أصدر ديوان المحاسبة بياناً مضاداً، وقال فيه إن المبلغ المحصل لدى مصرف ليبيا المركزي بلغ 577 مليون دولار حتى يوم 15 أكتوبر 2026، أي بفارق يوم عن بيان المصرف.

وهذا جعل الفرق 823 مليون دولار.

تتفق جميع الأجهزة على أن هذا الفرق تم توجيهه لتغطية شراء المحروقات من الخارج، وبالأساس الديزل والبنزين، ولكن:

المصرف يظن أن ما تبقى من شراء المحروقات قليل لأن الأسعار مرتفعة، ولا يعترف بإجمالي العائدات التي يتم التصرف فيها عبر المصرف الليبي الخارجي، والتي تُفتح بها اعتمادات مستندية لموردي الوقود.

بينما تشير المؤسسة إلى الالتزامات المالية لتوريد المحروقات، المعتمدة بموجب اتفاقية بين المؤسسة والمصرف وديوان المحاسبة والنائب العام، والمصدّق عليها من مجلس الوزراء، والتي جاءت نتيجة مناقصة علنية تحت إشراف الجميع.

إذاً، كيف يمكن تبرير الفرق في انخفاض قيمة العائدات؟

هنا يجب أن نشدد على أن هذا التحليل يخص فقط قيمة الإيرادات مقارنة بقيمة المحروقات، ولا يغطي قضايا تهريب المحروقات أو سوء إدارة الموارد المالية بعد جبايتها.

نشرت المؤسسة يوم 4 أكتوبر 2026 بياناً بشأن شحنات الديزل الموردة إلى ليبيا في شهر سبتمبر 2026. وينبغي دفع مستحقات هذه الشحنات خلال أكتوبر 2026، حيث إن موعد استحقاق الدفع هو 30 يوماً من تاريخ الاستلام. وعليه، نتوقع أن تكون هذه المستحقات هي ما يتم السحب على أساسه لتسوية المدفوعات.

وما يُلاحظ على واردات الديزل أنها بلغت نحو 21 شحنة، أي بزيادة 6 شحنات عن المستوى المعتاد، إذ كان التوريد يصل إلى 450 ألف طن في النصف الأول من السنة، بينما ارتفع إلى 657 ألف طن في سبتمبر 2026، أي بزيادة قدرها 200 ألف طن تقريباً.

كذلك، أصدرت المؤسسة يوم 5 أكتوبر 2026 بياناً بشأن الإنتاج والإيرادات، أوضحت فيه أن حصة الدولة الليبية من الإنتاج بلغت 31 مليون برميل شهرياً، بقي منها في المخزونات 6 ملايين برميل. وهذا يعني أنه تم تصدير ما يقارب 916 ألف برميل يومياً، كما أعلنت المؤسسة، وهو ما ستُحسب على أساسه العائدات النقدية التي يجب تحصيلها في أكتوبر 2026، وهذا بالطبع يستثني الإتاوات المستحقة على الشركاء.

هناك بعض الاعتبارات التي يجب أن نأخذها في الحسبان:

أولاً: الطلب الموسمي على الديزل.

ثانياً: الفرق بين سعر النفط الخام وسعر الديزل والبنزين.

ثالثاً: فترات الاستحقاق والاستمرارية.

دعونا نراجع هذه الاعتبارات أدناه، ونوضح أثرها في المسألة التي نحن بصددها.

أولاً: الطلب الموسمي على الديزل

يبلغ الطلب السنوي على الديزل، وفقاً لآخر تقدير في سنة 2025، نحو 5 ملايين طن سنوياً، وهو طلب يتقلب شهرياً، حيث يصل إلى أدنى مستوياته في أشهر ديسمبر ويناير وفبراير، نظراً لانخفاض الطلب على الكهرباء، ويلامس 400 ألف طن، بينما يبلغ أعلى مستوياته في سبتمبر، حيث يصل إلى 600 ألف طن. وقد سجل العام الماضي 2025 معدل 620 ألف طن، فيما بلغ هذا العام 650 ألف طن.

وبالتالي، من الطبيعي أن نتوقع زيادة الالتزامات المالية في هذا الشهر، حتى بافتراض ثبات السعر، وهو أمر لا يحدث أبداً.

ثانياً: الفرق بين سعر النفط الخام وسعر الديزل

يفترض التفكير التقليدي أن الفرق بين سعر النفط الخام، بوصفه مؤشراً للإيرادات، وسعر الديزل، بوصفه مؤشراً للواردات، سيظل ثابتاً.

وهذا يعني أنه إذا كان سعر النفط 100 دولار للبرميل، وصدّرنا منه 100 برميل، فسيكون الدخل 10,000 دولار. وإذا كان سعر الديزل 105 دولارات للبرميل، أي بفارق 5 دولارات عن سعر الخام، واستوردنا 50 برميلاً من الديزل، فسندفع 5,000 دولار، ويتبقى لدينا صافي 5,000 دولار.

المشكلة: ماذا لو كان سعر الديزل 130 دولاراً للبرميل؟ هذا يعني أننا سندفع 6,500 دولار، وسينخفض صافي الدخل إلى 3,500 دولار فقط، بدلاً من 5,000 دولار.

في الحقيقة، كان الفرق بين سعر النفط الخام والديزل يتراوح بين 5 و10 دولارات للبرميل قبل الحرب الأمريكية الإيرانية، أما الآن، فيتراوح الفرق بين 30 و50 دولاراً للبرميل لصالح الديزل.

وهذا يعني ارتفاعاً بنسبة 60% تقريباً، وهو ما يمكن أخذه في الحسبان عند حساب الدخل مقابل الواردات من الديزل والبنزين.

وقد يفسر هذا، على سبيل المثال، لماذا قام الرئيس دونالد ترامب بإدارة ظهره لحلفائه في أوروبا وأوكرانيا، ليسمح لروسيا بإعادة صادراتها من الديزل إلى الأسواق العالمية، بما فيها السوق الأمريكية؛ فقد أجبر أوروبا على السحب من مخزوناتها من الديزل، وأجبر أوكرانيا على وقف قصف المصافي الروسية التي تنتج الديزل.

ثالثاً: فترات الاستحقاق والاستمرارية

تكمن مشكلة هذه البيانات، التي بدأها المصرف المركزي، في أنها تأتي لتجميد الوقت في عملية مستمرة. فالإعلان الأول لمصرف ليبيا المركزي لا يمكن وصفه إلا بأنه إعلان هلع، عندما رأى المسؤولون رقم الإيرادات التي كانوا يتوقعون أن تكون أكبر بكثير.

لم يفكر هؤلاء المسؤولون في التروي، خصوصاً أنهم يمثلون جهة سيادية محورية، وكان عليهم النظر في جوهر العمليات لا في ظاهرها، وعدم تجميد الموقف عند نقطة زمنية واحدة؛ إذ إن أي شخص سيتوقع مباشرة أن المبلغ المتوقع في نهاية شهر أكتوبر سيكون 722 مليون دولار، وأن المبلغ لبقية الأشهر الثلاثة من السنة سيبلغ 2.1 مليار دولار، وهو أمر يثير الهلع في الأسواق المالية والنقدية في البلاد.

التقديرات الصحيحة

تقدير ديوان المحاسبة يبدو أقرب إلى التوافق مع الحقائق للفترة المحددة بالنصف الأول من أكتوبر 2026، إلا أنه لا ينبغي استخدامه لتقدير العائدات لبقية السنة.

وعند إعداد نموذج اقتصادي محاسبي لتقدير العائدات، يمكن القول إن:

أولاً: عائدات شهر أكتوبر 2026

أخذاً في الاعتبار أن المؤسسة استوردت 650 ألف طن من الديزل في سبتمبر 2026، وهو المستوى الموسمي المعتاد للاستهلاك في هذا الشهر، وأن سعر النفط حقق 100 دولار للبرميل، فإن العائدات المتوقعة عن كامل الشهر تبلغ 1.4 مليار دولار، وذلك بعد خصم 1.3 مليار دولار للمحروقات، من بنزين وديزل، بعد حدوث الأزمة الإيرانية الأمريكية واتساع الفارق بين سعر النفط وسعر الديزل.

وكان من المفترض خصم مليار دولار فقط في حال عدم حدوث هذه الأزمة، أي إن ما أشار إليه المصرف المركزي بوصفه المبلغ المحصل خلال الفترة من 1 إلى 14 أكتوبر، والبالغ 361 مليون دولار، كان سيبلغ 561 مليون دولار.

ثانياً: تقديرات بقية السنة 2026

وفقاً للطلب الموسمي، سينخفض الطلب على الديزل، وكذلك البنزين، في فصل الشتاء، ويُتوقع أن تنخفض الالتزامات المالية اللازمة لتغطية استيراد المحروقات.

وسيظل الدخل من النفط معتمداً على وضع الأسواق العالمية، ولكن بافتراض استمرار سعر النفط عند 100 دولار للبرميل، وبقاء الفارق بين سعر الخام والديزل عند 30 دولاراً للبرميل، فإن العائدات النفطية سترتفع نتيجة عودة استهلاك الديزل والبنزين إلى مستويات الطلب الشتوي، بنحو 900 ألف طن شهرياً إجمالاً، أو ما يعادل 800 مليون دولار شهرياً.

وهذا سيرفع المبلغ المتوقع توريده إلى المصرف المركزي من 1.4 مليار دولار شهرياً إلى 1.8 مليار دولار شهرياً خلال موسم الشتاء.

أخيراً

كما أشرت في هذا التحليل، لم أتطرق إلى مسائل التهريب وإساءة إدارة العائدات، وهي قضية ينبغي أن تُغطى بدراسات أخرى.

إلا أن المصرف المركزي أثار حالة من الهلع أراها غير مبررة، ومن دون دراسة عميقة للاتجاهات. وقد يدل ذلك على ضعف القدرات التخطيطية التي يمتلكها، مما يجعله يتعامل مع ظواهر الأحداث لا مع جوهرها.

وبناءً على ذلك، أطالب الإخوة في مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وبقية الجهات بالالتقاء ودراسة ما يُطرح أمامنا، نحن المساكين الذين لا حول لنا ولا قوة إلا استقبال الفواجع.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

مسيّرة انتحارية بيلاروسية تظهر في عرض عسكري لقوات حفتر ببنغازي

الرئاسي: تـأجيل الاجتماع الثاني للهيئة العليا للرئاسات وإعلان موعده نهاية الأسبوع