تضع الأرقام الرسمية للأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 مصرف ليبيا المركزي أمام اختبار مؤسسي مهم.
فبحسب البيانات المنشورة، استخدمت ليبيا أكثر من 5 مليارات دولار من العملات الأجنبية فوق ما حصلت عليه من عائدات النفط والإيرادات المرتبطة بها خلال الفترة نفسها.
والرقم، في حد ذاته، لا يثبت وجود فساد أو مخالفة، لكنه يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول إدارة النقد الأجنبي، وآليات الرقابة، وكيفية حماية الموارد التي يفترض أن تحافظ على قيمة الدينار واستقرار الاقتصاد.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن أكثر من نصف العملات الأجنبية الموجهة عبر المصارف التجارية جرى استخدامها من خلال الاعتمادات المستندية.
وهنا لا يكفي أن نعرف حجم الأموال التي خرجت من النظام المصرفي، بل يجب أن نعرف أيضا: من حصل على الدولار بالسعر الرسمي؟ وكيف جرى تقييم طلباته؟ وما الضوابط التي تحكم الاعتمادات المستندية وتغطية العملات الأجنبية؟ وكيف يجري التحقق من دخول السلع فعليا إلى ليبيا وبأسعار تتناسب مع قيمتها الحقيقية؟
هناك أيضا أسئلة أكثر تحديدا تتعلق بقدرة منظومة الرقابة على اكتشاف الشركات ذات الصلة، والمبالغة في الفواتير، وأسعار الوحدات غير المعتادة، والموردين الوهميين، وتحويل مسارات السلع، وتكرار التعامل مع المالكين المستفيدين أنفسهم. وهي أسئلة لا يمكن حسمها بالتكهنات، وإنما تحتاج إلى بيانات وآليات رقابة معلنة وقابلة للمراجعة.
ومن المهم كذلك معرفة الجهة أو اللجنة التي تولت مسؤوليات الاعتماد وتغطية العملات الأجنبية والإشراف المرتبط بها منذ سبتمبر 2024، ومن كانوا أعضاء فيها، وما هي الصلاحيات التي مُنحت لهم، وما التعويضات التي حصلوا عليها.
فكلما اتسعت صلاحيات إدارة النقد الأجنبي، أصبحت الحاجة إلى الإفصاح والرقابة أكثر إلحاحا.
ولا تتعلق المسألة بالأموال وحدها، بل تمتد إلى الحوكمة الداخلية لمصرف ليبيا المركزي، فهل يرأس قسم البحوث والإحصاء مدير دائم؟ وهل تعرض أي موظفين للنقل أو التأديب بعد إبداء اعتراضات مهنية على بيانات أو نتائج طلبتها الإدارة العليا؟ وماذا حدث في ملف الموظفين الـ11 الذين حصلوا على منح دراسية؟ وكيف قورنت مؤهلاتهم بالموظفين الذين جرى توظيفهم لاحقا؟
وتحتاج العلاقة السابقة لبعض المسؤولين بالمؤسسات المصرفية أيضا إلى توضيح مؤسسي، ومن بين الأسئلة المطروحة هل أجرى مصرف ليبيا المركزي أي تحقيق يتعلق بالبنك الأهلي التجاري؟ وما المناصب التي شغلها ناجي عيسى في مجلس إدارته؟ ومتى بدأت وانتهت فترات خدمته؟ وما طبيعة مسؤولياته خلال تلك الفترة؟ هذه الأسئلة لا تمثل اتهاما، لكنها تدخل في نطاق الإفصاح الذي يساعد على فهم تضارب المصالح المحتمل وآليات الحوكمة.
كما تبرز تساؤلات حول ما أثير بشأن رغبة عيسى في ترك منصبه خلال أغسطس، والأسباب التي قيل إنه لم يرغب في الكشف عنها. وفي مثل هذه الحالات، لا ينبغي أن تحل التكهنات محل المعلومات الرسمية؛ فالوقائع يمكن توضيحها بالقرارات والمراسلات والبيانات الصادرة عن المؤسسة المعنية.
أما الهجوم الإلكتروني الذي وقع في يونيو، فيستحق بدوره إجابة واضحة ما نوع المعلومات التي تعرضت للاختراق؟ وهل شملت بيانات مصرفية أو مالية حساسة؟ وهل أُجريت مراجعة أمنية مستقلة؟ وإذا كانت قد أُنجزت، فما نتائجها والتوصيات التي خرجت بها؟
ويبقى سؤال الشفافية الأكثر أهمية.. هل يمكن لمصرف ليبيا المركزي نشر بيانات الاعتمادات المستندية LC بصيغة قابلة للقراءة الآلية، بما يسمح – مع حماية البيانات المصرفية والشخصية الحساسة – بمطابقة المعاملات مع سجلات الجمارك والشحن، والتحقق من الملكية المستفيدة، ومعرفة ما إذا كانت الأموال التي خرجت من النظام المصرفي قد قابلتها واردات حقيقية؟
الاختبار المؤسسي
لا تثبت هذه الأسئلة، ولا المعلومات المتداولة حولها، في حد ذاتها تورط المحافظ عيسى أو أي مسؤول آخر في قضايا فساد. لكنها تضع أمام مصرف ليبيا المركزي مجموعة من الملفات المحددة والقابلة للتحقق، تتعلق بإدارة العملات الأجنبية، والاعتمادات المستندية، والرقابة المصرفية، والتوظيف، وإنتاج البيانات، والشفافية.
والبيانات الرسمية تشير بالفعل إلى ضغوط كبيرة على موارد النقد الأجنبي. فقد استخدمت ليبيا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 نحو 5 مليارات دولار أكثر من عائداتها النفطية من النقد الأجنبي، في وقت شهدت فيه أسعار النفط مستويات مرتفعة نسبيا. لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حجم العجز، بل يجب أن يمتد إلى كيفية تمويله، ومصادر العملات المستخدمة، والجهات التي استفادت منها، وآليات الرقابة على استخدامها.
لا يستطيع مصرف ليبيا المركزي استعادة الثقة بمجرد نشر الإحصاءات الإجمالية. المطلوب أن يتمكن المواطن والباحث والصحفي من فهم من يحصل على الدولار بالسعر الرسمي، وكيف تُقيّم الطلبات، وما المعايير التي تُستخدم لقبولها أو رفضها، وكيف يتم التحقق من البضائع وأسعارها، وكيف تُحدد الشركات ذات الصلة والمالكون المستفيدون، وما حجم الاحتياطيات المتاحة فعليا.
والأهم أن تكون هناك بيئة مهنية تتيح للموظفين المسؤولين عن إنتاج البيانات والرقابة المصرفية الإبلاغ عن أي نتائج غير مرغوب فيها أو مخالفات محتملة دون أن يتحول الاعتراض المهني إلى عقوبة وظيفية. فاستقلالية الموظف المختص ليست ترفا إداريا، بل جزء من منظومة حماية المال العام.
في جوهرها، تبدو أزمة العملة في ليبيا أيضا أزمة حوكمة تتجلى في سعر الصرف. فعندما يصبح الوصول إلى الدولار بالسعر الرسمي عاملا مؤثرا في توزيع الثروة، بينما يؤدي انخفاض قيمة الدينار إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، تصبح شفافية مصرف ليبيا المركزي مسألة تتجاوز الحسابات المصرفية إلى العدالة في توزيع الموارد.
إذا كانت مزاعم المطلعين غير صحيحة، فإن أفضل وسيلة لدحضها هي الكشف التفصيلي والشفاف للبيانات والوثائق. وإذا كانت هناك مخالفات، فإن الكشف نفسه يجب أن يقود إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة من تثبت مخالفته.
وفي الحالتين، يبقى الاختبار الحقيقي واحدا: هل يستطيع مصرف ليبيا المركزي أن يوضح أين ذهبت العملات الأجنبية، ومن حصل عليها، ولماذا حصل عليها، وكيف جرى التحقق من استخدامها؟
فثمن غياب الإجابة لا يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الأرصدة المحاسبية، بل قد يظهر في النهاية في القوة الشرائية لكل أسرة ليبية.

