لماذا يعتبر التضخم من أخطر المشاكل الاقتصادية في ليبيا، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، في المرحلة الراهنة؟!
لأن التضخم، وهو الارتفاع المتواصل في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، يبدأ كمشكلة اقتصادية لها نتائج وتداعيات خطيرة على الفرد والمجتمع، أولها انخفاض القدرة الشرائية، ثم تآكل المدخرات، وتدهور مستوى المعيشة، وبعدها الوقوع في دائرة الفقر. ومن هنا يتحول التضخم من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة مركبة ذات بُعد اقتصادي واجتماعي وحتى نفسي.
فالفقر، على الرغم من أن أسبابه في الأساس اقتصادية، فإن آثاره الاجتماعية وخيمة، من تفكيك الأسر، وعزوف الشباب عن الزواج، وانتشار ظاهرة العنوسة، وتسرب الأطفال من المدارس للعمل، واضطرار الشباب إلى العمل لمساعدة الأسرة في تلبية تكاليف المعيشة بأجور أشبه بـ«السخرة»، خلافًا لمشاعر الإحباط واليأس والبؤس وعدم الرضا، وفقدان الشعور بالمواطنة وعدالة الدولة في توزيع الدخل والثروة.
وفي حال ازدادت حالة الفقر نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، واتسعت دائرة الفقر في المجتمع، وبدأت الطبقة المتوسطة الدخل بالذوبان، وظهر التفاوت الطبقي بجلاء، عندها ستتحول إفرازات التضخم من مشكلة اقتصادية واجتماعية إلى مشكلة سياسية، وهي المرحلة الثالثة من مراحل تداعيات التضخم.
وتتجلى هذه المرحلة في مطالبة الفئات ذات الدخل الثابت، التي تدهورت قوتها الشرائية نتيجة ارتفاع وتواصل معدلات التضخم، الحكومةَ بزيادة المرتبات عبر النقابات، والتلويح بالإضراب عن العمل. وإذا ما استجابت الحكومة لهذه الضغوط، فسَيَلتهم التضخم أي زيادة جديدة، طالما أن أصل المشكلة ما زال قائمًا، وطالما أن أحد أسباب التضخم في ليبيا هو زيادة عرض النقود وإنفاق حكومتين!
بعد المرحلة الثالثة، سواء استجابت الحكومة لمطالب النقابات أم لم تستجب، سيجرّنا التضخم إلى الدخول في المرحلة الرابعة والأخطر من مراحل تداعيات التضخم على الاقتصاد والمجتمع، والمتمثلة في تطور مشكلة التضخم من مشكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وما تترتب عليها من آثار نفسية، إلى مشكلة أمنية، من خلال زيادة حالة السخط والغضب الشعبي وظهور «ثورات الخبز». وهنا ستكون كلفة علاج التضخم باهظة جدًا.
في الدول المستقرة ذات المؤسسات المتينة والديمقراطيات الراسخة، كالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، يُعد التضخم العدو اللدود للاقتصاد. وقد سبق أن قام الفيدرالي الأمريكي، البنك المركزي، برفع معدلات الفائدة إلى أكثر من 20% في بداية ثمانينيات القرن الماضي للقضاء على التضخم، وضحّى الفيدرالي بالبطالة، وذلك بخلق «ركود مقصود» مقابل القضاء على التضخم.
الخوف من التضخم هو الذي جعل الرئيس ترامب يمتهن رذيلة الكذب علنًا على الأسواق، ليهدّئ من روع أسعار النفط التي لها أثر مباشر على ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد الأمريكي.
في دول أمريكا اللاتينية، أطاح التضخم وانهيار قيمة العملة بحكومات، وأحدثا أعمال شغب وفوضى واحتجاجات شعبية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وفي لبنان، أدى الانهيار الاقتصادي في البلاد، واجتياح التضخم، وانهيار قيمة الليرة مقابل الدولار عام 2019، إلى غضب شعبي عارم والخروج إلى الشارع للمطالبة بإسقاط الجميع تحت شعار «كلن يعني كلن».
ليبيا دولة هشة، والسكوت عن هذه المشكلة من قبل مصرف ليبيا المركزي والحكومات شرقًا وغربًا، والفشل – حتى الآن – في علاجها والحد منها، سيكلفنا الكثير حين تنفجر هذه القنبلة الموقوتة.

