Menu
in

مثلث برمودا الغامض: المؤسسة، مصرف ليبيا المركزي، ديوان المحاسبة: أسئلة أكثر منها إجابات

نشرت صحيفة «صدى الاقتصادية» تصريحات للسيد المحترم عبد الباسط الجبوع، مدير الإدارة العامة للرقابة على قطاعي الطاقة والشركات العامة بديوان المحاسبة، حول مسائل العائدات النفطية وتكاليف المحروقات والتحويلات إلى مصرف ليبيا المركزي.
ورغم أن البيانات والتقارير المنشورة من المؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي توصف في ديباجتها بأنها تأتي في إطار الإفصاح والشفافية، فإن تضارب هذه التقارير وتصريحات المسؤولين عنها يثير الضبابية أكثر مما يزيلها، ويدخل الرأي العام في حلقة جهنمية من الظنون لا توصله إلى خلاصة واضحة، بما يعزز الشكوك وعدم الثقة في النظام الرسمي للدولة. [مقال صحيفة صدى مدرج في التعليقات].
كنت قد كتبت في مقال سابق عن التضارب بين البيانات الشهرية للمؤسسة الوطنية للنفط وتقرير ديوان المحاسبة عن الأشهر يناير–يوليو 2026، وأوضحت فيه أوجه الاختلاف بين البيانات التي أوردها الطرفان، والتي يرجع جزء منها إلى المصطلحات المستخدمة، وجزء آخر إلى اختلاف نسق التشغيل، أساساً في عمليات الدفع بين التحصيل والاستحقاق (رابط مقالي في التعليقات).
التصريحات الأخيرة للسيد الجبوع زادت من ضبابية المسألة، وأضافت إليها دوافع مؤسساتية تقع خارج نطاق العملية التشغيلية والتجارية والمصرفية المعتادة. فبدا من التصريحات أن الديوان لم يكتفِ بدوره الرقابي، وإنما شارك في ترتيب توقيت بعض المدفوعات بهدف المساعدة في إدارة الإيرادات والتدفقات النقدية وسعر الصرف. وإذا كان هذا هو المقصود فعلاً، فإن الأمر يصبح خطيراً، لأنه يشير إلى تخلي الديوان عن صفته الحيادية التي يجب أن يتمسك بها تحقيقاً لهدفه الأساسي في الحفاظ على المال العام.
فالحفاظ على مستوى «سعر الصرف»، مهما كانت الأسباب نبيلة، هو مهمة حصرية لمصرف ليبيا المركزي، ولا يمكن لأي جهاز سيادي أو حكومي آخر أن يتخذ أو يساعد على اتخاذ إجراءات استثنائية في التدفقات المالية ظناً منه أن ذلك يساعد على إدارة سعر الصرف بصورة إيجابية، من دون أن تكون هناك آلية واضحة لتحديد المسؤولية وقياس التكلفة والعائد.
الحديث في التصريحات غير واضح فنياً، إلا أن هناك نقاطاً أساسية يمكن التعليق عليها، وتحتاج إلى توضيح من الديوان أو من المؤسسة. ولا بد لي أن أشدد هنا على أنني لا أنوي التدخل في عمل الجهازين، وإنما التصريحات العلنية تعني عملياً أن من يطرحها يود أن يُسمع، وإذا كانت هناك توضيحات واجبة، فإن تقديمها ضروري لإزالة أي التباس.
سأحاول أن أكون مختصراً:
أولاً: يقول الأستاذ المحترم الجبوع إنهم “قاموا” بتأجيل دفع بعض المدفوعات في سبيل رفع الإيرادات المحولة إلى المصرف المركزي، والمساعدة في الدفاع عن سعر الصرف. السؤال هنا: من قام بهذا القرار؟ هل هي المؤسسة الوطنية للنفط؟ أم ديوان المحاسبة؟ أم مصرف ليبيا المركزي، سواء المصرف المركزي أو المصرف الخارجي في الحالات التي أشار إليها؟ هل كان القرار من مؤسسة فردية أم مشاركة بين المؤسسات الثلاث.
مسؤولية تأجيل الدفع ليست مسألة فنية بسيطة؛ فهي قد تنتج عنها التزامات مالية، وغرامات تأخير، واحتمال تأخير تسليم الكميات التالية، وربما مطالبات أو قضايا وتحكيم تجاري أو غير ذلك من الآثار. لذلك يجب أن يكون صاحب القرار محدداً بوضوح، حتى يمكن تحديد المسؤولية عن القرار وعن نتائجه.
ثانياً: يقول الأستاذ الجبوع إن هذا الإجراء تم بهدف زيادة الإيرادات المحولة، وإنه تم تحويل ما يصل إلى ثلاثة مليارات دولار في أحد الأشهر إلى المصرف المركزي. وهذا صحيح من حيث الرقم الذي أشار إليه في تصريحاته، ومن الناحية التحليلية يمكن أن يكون هذا الإجراء قد ساهم بالفعل في تحقيق فوائد مالية ونقدية عوّضت خسائر تأجيل الدفع.
وهذا بالتحديد هو ما يهم أي محلل مالي أو اقتصادي أن يعرفه: ما هو الاختيار بين البدائل؟ وهل كانت الفائدة الناتجة عن زيادة التدفقات النقدية في تلك الفترة أكبر من تكلفة تأجيل المدفوعات؟
بمعنى آخر، لا يكفي أن نقول إننا حصلنا على ثلاثة مليارات دولار في شهر معين. يجب أن نعرف ماذا كان ثمن الحصول عليها، وما الذي كان يمكن أن يحدث لو لم يتم التأجيل. الاختيار بين البدائل لتحقيق البديل الذي يعظم المنفعة المالية ويقلل الخسارة هو جوهر التحليل الاقتصادي، وهذا غائب تماماً عن التصريحات.
ثالثاً: بينما يشير ديوان المحاسبة إلى أن الأسعار كانت في صالحنا خلال فترة تأجيل الدفع، وأن ذلك أدى إلى ارتفاع الدخل النفطي، فإن هذا التحليل يهمل بوضوح الجانب الآخر من العملية: الدين الذي تم تأجيل سداده لم يختفِ، وإنما أصبح مستحقاً في وقت لاحق.
وهنا تظهر المشكلة الاقتصادية الحقيقية. فإذا تم تأجيل المدفوعات خلال فترة كانت فيها أسعار النفط مرتفعة، ثم تم سداد الالتزامات لاحقاً في فترة أسعار أقل، فإن المقارنة لا يمكن أن تقتصر على ارتفاع الإيرادات في الفترة الأولى. يجب أن تؤخذ في الاعتبار تكلفة التمويل أو تكلفة الفرصة البديلة للقيمة المؤجلة، وأي غرامات أو تكاليف أخرى ترتبت على التأخير.
بل إن استخدام التدفقات النفطية الإضافية في فترة الأسعار المرتفعة لأغراض دعم سعر الصرف قد يعني، من زاوية أخرى، أن الدولة استخدمت قيمة نقدية كان يمكن أن تستخدم في سداد التزامات قائمة، ثم اضطرت إلى توفير قيمة هذه الالتزامات لاحقاً. وبالتالي فإن تكلفة القرار لا تقاس فقط بالفائدة النقدية التي تحققت في لحظة معينة، وإنما بالحصيلة المالية الكاملة للعملية عبر الزمن.
النتيجة النهائية يجب أن تكون في حساب التوازن المالي الذي تحقق: ماذا كسبنا من السيطرة على سعر الصرف أو منع تدهوره؟ وماذا خسرنا نتيجة تأجيل الالتزامات؟ وما هي تكلفة هذا القرار بعد احتساب الزمن والفوائد والغرامات وأي آثار تجارية أخرى؟
هذا الحساب هو الذي يمكن أن يثبت أن القرار كان اقتصادياً صحيحاً، وهو غير واضح إطلاقاً في التصريحات.
رابعاً: أشار الأستاذ الجبوع إلى التسهيلات في الدفع والتسويات مع الأطراف المقابلة للمؤسسة الوطنية للنفط. وهذه أمور محاسبية وتجارية لا أعرف إن كان من الممكن مناقشتها على الملأ بكل تفاصيلها، إلا أن التسهيلات المالية في الدفع، خصوصاً عندما تتجاوز آجالها المعتادة، قد يكون لها جانب سيادي أو سياسي، وقد تقترب في بعض الحالات من قروض أو ترتيبات تمويلية ذات طبيعة سياسية. وعرضها بهذه الطريقة يتطلب توضيح أغراضها وأسسها.
ومن ناحية أخرى، فإن مبدأ القيد المزدوج في المحاسبة يعني أن ما يظهر التزاماً أو تسهيلاً في جانب يجب أن تكون له المعالجة المقابلة في الجانب الآخر. ولا يمكننا تقييم أثر هذه الترتيبات من دون معرفة كيفية معاملة الطرف المقابل لهذه العمليات، ومتى اعتبر الإيراد مستحقاً، ومتى اعتبر المبلغ ديناً، وكيف عولجت غرامات التأخير، وكيف انعكس ذلك في حسابات المؤسسة والدولة.
وبينما أتفهم تماماً حساسية هذه الموضوعات، فإن النقاش فيها يجب أن يخضع لمعايير واضحة للتحقق والإفصاح، بما يضمن حق الرأي العام في الاطمئنان إلى أن إدارة الإيرادات النفطية تتم وفق قواعد تجارية ومحاسبية واضحة، وأن أي قرار استثنائي له تكلفة مالية أو تجارية قد تم اتخاذه على أساس حساب واضح للتكلفة والعائد.
في النهاية، المشكلة ليست في أن تختلف المؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي في وجهات النظر، ولا في أن تكون هناك تسويات أو تأجيلات أو ترتيبات استثنائية. المشكلة أن هذه العمليات تُعرض للرأي العام دون أن يستطيع المتابع معرفة من اتخذ القرار، ولماذا اتُخذ، وما تكلفته، وما العائد الذي تحقق منه، وكيف عولج محاسبياً لدى كل طرف.
من دون هذه الإجابات، يبقى «مثلث برمودا» قائماً: أرقام تتحرك بين المؤسسة والمصرف والديوان، وتقارير تتقاطع ولا تتطابق، وتصريحات تفتح أسئلة جديدة أكثر مما تقدم إجابات.

Exit mobile version