in

بين إقالة واستقالة المحافظين لمصرف ليبيا المركزي

المتتبع لأداء المصرف المركزي خلال العقد ونيف الأخير، يلاحظ أنه سار على خطى سياسات البنوك المركزية التي قفزت فجأة لنظام اقتصاد السوق، فتحصلت بنوكها المركزية على استقلالية لا سقف لها، وبالمقابل وقعت في شركين لا تخطئهما العين:

الأول – داخليًا: بسبب عنفوان هذه الاستقلالية، أصبح المصرف المركزي بليبيا أحد أبرز ركائز المشاكل الاقتصادية بليبيا، من الطباعة للعملة بالعجز بدون إنتاج حقيقي (الكتلة النقدية في 2010 كانت نحو 60 مليار د.ل، لتتجاوز في 2024 الـ150 مليار د.ل)، فضلًا عن سيطرة المركزي على وظائف وزارة المالية عبر بدعة فرض ضرائب محلية على تداول العملات الأجنبية، مما جعل وزارة المالية وظيفتها لا تتعدى وظيفة قسم مالي بمؤسسة ما بالدولة، يكفي أن تعلم أنه جزء من إيرادات الضرائب المفروضة على تداول العملة 22.5 مليار د.ل بسنة 2024 فقط، لتختفي من خزانة البلد (بيان المصروف والإيراد، مصرف ليبيا المركزي، 2024، ص1)، فضلًا عن تحكم مطلق للمركزي على المصارف التجارية والمتخصصة برمتها.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تركت أبرز أو الهدف الرئيس للبنك المركزي، وهو استقرار قيمة العملة المحلية، ليضع قيودًا في 2014 على تداول النقد الأجنبي على الجمهور، ويمنحه تفضيليًا لأسر، عبر الاعتمادات، والتي تمنح بدون موازنة استيرادية، في سيطرة أخرى على وظائف وزارة الاقتصاد، الأمر الذي أدى إلى تآكل الاحتياطيات واستيراد سلع أكبر من حاجة السوق المحلي، وفي النهاية تبتلعها قوافل التهريب على مختلف الحدود الليبية.

لتنهار قيمة الدينار الليبي الرسمي من 0.30 للإنفاق الرسمي و1.25 للأغراض التجارية والشخصية إلى 6.40 د.ل للدولار، أي تدهورت للإنفاق الحكومي لأكثر من 21 ضعفًا، وللأغراض التجارية لأكثر من 5 أضعاف قيمة الدينار الليبي أمام الدولار.

والنتيجة تمكنت أسر من أن تحتكر الدولار عبر دعم المركزي المستمر لها، وأصبحت هذه الأسر تدير بنكًا مركزيًا بالسوق السوداء، مما مكنها من المبادرة في تحديد سعر صرف الدولار وفق أهوائها ومصالحها الخاصة، وبالتالي جعل المصرف المركزي يتبعها في تغيير قيمة الدينار تارة وأخرى فرض ضرائب عليها، فجعل من نظام الصرف الليبي نظامًا عائمًا، لدولة لا تنتج وتعتمد على خام النفط، والذي مرتهن لقرارات وسياسات خارجية.

ثانيًا – خارجيًا: الارتهان للصندوق النقد والبنك الدوليين وبشكل مستتر، وبدون أي مبرر لتسليم القرار الاقتصادي لتلك المنظمات التي ما دخلت في بلد وانحنى صناع قرار اقتصادها لهم إلا وكانت العاقبة وخيمة، تنعكس في فشل اقتصاد تلك البلدان، وما نيجيريا والعراق وفنزويلا والآن ليبيا منكم ببعيد.

الخلاصة: الاستقالة هي القفز من الباخرة قبل الغرق، لكي لا يتهم المحافظ ومن معهم بأنهم سبب فشل الاقتصاد الليبي، والذي لديه كل مقومات النجاح، باستثناء صناع قراره.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

كسوف جزئي للشمس في غرب ليبيا غداً.. والذروة قبل الغروب بـ9 دقائق

الاثنين الساخن.. دماء في بنغازي ونيران في الزاوية وأزمة في المركزي