عشر سنوات من الإنفاق.. 784 مليار دينار في الجداول، وأكثر من 884 مليارًا عند كشف جزء من الإنفاق الموازي.
بين عامي 2016 و2025، سجّلت جداول مصرف ليبيا المركزي 783.7 مليار دينار مصروفات للميزانية العامة، بمتوسط سنوي يقارب 78.4 مليار دينار، أي نحو 6.5 مليارات دينار شهريًا و215 مليون دينار يوميًا.
ومن كل 100 دينار تقريبًا، ذهب 50 دينارًا إلى المرتبات، و18 دينارًا إلى الدعم، و13 دينارًا إلى التنمية، و9 دنانير إلى النفقات التسييرية، و10 دنانير إلى الطوارئ والترتيبات الاستثنائية. وبذلك استحوذت المرتبات والدعم وحدهما على نحو 68% من الإنفاق، بينما لم تتجاوز التنمية المسجلة 13%.
لكن 783.7 مليار دينار ليست كل القصة؛ إذ كشف التقرير السنوي لمصرف ليبيا المركزي عن عام 2024 أن الإنفاق العام الواسع بلغ نحو 224 مليار دينار، مقابل 123.2 مليار دينار فقط في جدول الميزانية المعتاد، بفارق شمل 59 مليار دينار أنفقتها الحكومة الليبية الموازية، و42 مليار دينار قيمة مبادلة النفط بالمحروقات.
وبإضافة فرق عام 2024 وحده، يرتفع الإنفاق والاستخدام المالي المعروف خلال العقد إلى نحو 884.5 مليار دينار، مع التأكيد أن الرقم لا يمثل إجمالي الإنفاق الفعلي، لعدم توفر كشف موحد مماثل للإنفاق الموازي وخارج الميزانية في بقية السنوات.
وعند النظر إلى الأرقام بالدولار وفق متوسط سعر الصرف الرسمي، تبدو الصورة مختلفة؛ فقد أُنفق خلال السنوات الخمس الأولى نحو 184.3 مليار دينار، مقابل 599.4 مليارًا خلال السنوات الخمس التالية، إلا أن قيمة الإنفاق تعادل نحو 133 مليار دولار في الفترة الأولى و123.5 مليار دولار في الثانية، ما يعني أن الإنفاق بالدينار تضاعف أكثر من ثلاث مرات، بينما لم ترتفع قيمته الخارجية، بفعل انخفاض قيمة الدينار.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا حصل المواطن مقابل كل هذه الأموال؟ هل تحسنت الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس والطرق؟ وهل توسع الإنتاج وخلق الاقتصاد وظائف حقيقية؟ وهل أصبحت الخدمات أفضل والدينار أقوى؟
ليست المرتبات والدعم هدرًا بطبيعتها، فهي مصدر معيشة لملايين الأسر، لكن الإشكالية تكمن في غياب حساب مالي موحد ومدقق يوضح بوضوح: من أنفق؟ وعبر أي قناة؟ وما الذي أُنجز فعليًا؟
أزمة ليبيا ليست نقص الأموال فقط، بل غياب الدولة المالية الواحدة؛ فالإنفاق موزع بين حكومات وخزائن ومقايضات وترتيبات استثنائية، بينما يدفع المواطن فاتورة هذا الإنفاق في صورة تضخم، وضعف للدينار، وتراجع في مستوى الخدمات.
وبعد إنفاق معروف يقترب من تريليون دينار، يبقى السؤال: أين ذهبت أموال ليبيا؟ وماذا بُني بها؟ وكم كان نصيب المواطن منها خلال السنوات العشر الماضية؟

