Menu
in

أزمة الكهرباء في ليبيا من منظور البيانات الدولية..هل تعاني ليبيا من أزمة كهرباء؟

 

قد يبدو الجواب بديهياً لكل من يعيش الانقطاعات المتكررة وبرامج طرح الأحمال،.
فوفقاً لبيانات الوكالة لعام 2023، بلغ إنتاج ليبيا من الكهرباء نحو 33.7 ألف جيجاواط ساعة، مقارنة بحوالي 21.3 ألف جيجاواط ساعة في تونس، بينما بلغ في الكويت 88.0 ألف جيجاواط ساعة.
وعند احتساب الإنتاج على أساس عدد السكان، بلغ نصيب الفرد في ليبيا نحو 3.8 ميجاواط ساعة سنوياً، مقابل 1.6 ميجاواط ساعة في تونس، وحوالي 16.5 ميجاواط ساعة في الكويت. ورغم اختلاف الظروف الاقتصادية والمناخية بين هذه الدول، فإن المقارنة تظهر أن ليبيا تنتج للفرد أكثر من ضعف ما تنتجه تونس، ومع ذلك لا تشهد تونس انقطاعات واسعة أو برامج منتظمة لطرح الأحمال كما يحدث في ليبيا.
وهذا يدل على أن حجم إنتاج الكهرباء وحده لا يفسر الأزمة الليبية، وإنما تكمن المشكلة في العلاقة بين الطلب على الكهرباء وقدرة منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع على تلبية هذا الطلب بصورة مستقرة وموثوقة.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى أزمة الكهرباء في ليبيا باعتبارها نتيجة اختلال هيكلي في التوازن بين تطور الطلب على الكهرباء وتطور القدرة الفعلية للمنظومة الكهربائية.
ولفهم هذا الاختلال، يناقش هذا المقال جانبين مترابطين، أولهما تطور أنماط استهلاك الكهرباء بين القطاعات الاقتصادية، وثانيهما تطور القدرة الإنتاجية ومزيج الوقود المستخدم في محطات التوليد، اعتماداً بصورة رئيسية على بيانات وكالة الطاقة الدولية، مع الاستعانة ببعض بيانات البنك الدولي عند الحاجة.
أولاً: كيف تغير نمط استهلاك الكهرباء؟
توفر قاعدة بيانات وكالة الطاقة الدولية سلسلة زمنية لاستهلاك الكهرباء في ليبيا خلال الفترة 2000–2023 موزعة على خمسة قطاعات رئيسية هي: القطاع الصناعي، والقطاع المنزلي، والقطاع التجاري والخدمات العامة، والقطاع الزراعي، إضافة إلى بند “الاستعمالات الأخرى وغير المحددة”. ويلاحظ أن هذا البند لا يظهر بالوزن نفسه في كثير من الدول، ولذلك ينبغي التعامل معه بحذر عند إجراء المقارنات الدولية، وإن كان لا يغير الاتجاه العام للنتائج.
ولغرض تحليل تطور الطلب، تم اعتماد عام 2007 سنة أساس، باعتباره آخر سنة سبقت الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها ليبيا. وتم تقدير خط اتجاه إحصائي (Trend Line) اعتماداً على بيانات الفترة 2000–2007، ثم إسقاط هذا الاتجاه حتى عام 2023 بوصفه سيناريوً افتراضياً يمثل المسار الذي كان يمكن أن يسلكه استهلاك الكهرباء لو استمرت الاتجاهات الاقتصادية السابقة دون انقطاع. ويهدف هذا الأسلوب إلى قياس حجم الانحراف عن الاتجاه التاريخي، وليس إلى التنبؤ بما كان سيحدث فعلياً.
وتبين الرسومات المرفقة أن القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الصناعي، ثم التجاري والزراعي، انحرفت تدريجياً إلى مستويات أدنى من الاتجاه التاريخي المتوقع، في المقابل ارتفع الاستهلاك المنزلي بصورة ملحوظة، ولا سيما منذ عام 2017، ليصبح المكون الأسرع نمواً في الطلب على الكهرباء.
وفي المحصلة، بلغ الفرق بين الاستهلاك الفعلي في عام 2023 والاستهلاك الذي يشير إليه خط الاتجاه الإحصائي نحو 23 ألف جيجاواط ساعة، وهو انحراف كبير يعكس تغيراً هيكلياً في نمط استخدام الكهرباء داخل الاقتصاد الليبي.
وتقود هذه النتائج إلى ثلاث ملاحظات رئيسية.
أولاً، يشير انخفاض استهلاك القطاعات الإنتاجية عن اتجاهها التاريخي إلى أن النشاط الاقتصادي الليبي يستهلك كهرباء أقل بكثير مما كان يُتوقع لو استمرت الاتجاهات السابقة. ولا يعني ذلك تحسن كفاءة استخدام الكهرباء، بل يعكس في جانب منه تراجع النشاط الاقتصادي وتعطل جزء من القاعدة الإنتاجية، إضافة إلى محدودية قدرة منظومة الكهرباء على تلبية احتياجات هذه القطاعات.
ثانياً، يقابل هذا الانخفاض ارتفاع واضح في الاستهلاك المنزلي، وهو تطور يتوافق مع الزيادة في عدد الوحدات السكنية واستئناف النمو السكاني بعد سنوات التباطؤ التي أعقبت أحداث عام 2011، كما يعكس توسع استخدام الأجهزة الكهربائية المنزلية وازدياد الاعتماد عليها.
ثالثاً، أدى انخفاض الطلب الفعلي على الكهرباء مقارنة بالمسار التاريخي إلى تقليص كمية الغاز الطبيعي اللازمة لتوليد الكهرباء. وباحتساب تكلفة الغاز على أساس 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن الفارق بين الاستهلاك الفعلي وسيناريو استمرار الاتجاه التاريخي يعادل انخفاضاً في تكلفة الوقود يقارب 1.5 مليار دولار سنوياً. غير أن هذا الانخفاض لا يمثل مكسباً اقتصادياً، بل يعكس انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الطلب الإنتاجي على الكهرباء.
لكن إذا كان الطلب الفعلي على الكهرباء أقل من الاتجاه الذي تشير إليه البيانات التاريخية، فلماذا تستمر أزمة انقطاع الكهرباء؟
للإجابة عن هذا السؤال لا يكفي تحليل الطلب وحده، بل يجب الانتقال إلى الجانب الآخر من المعادلة، وهو تطور القدرة الإنتاجية الفعلية لمنظومة الكهرباء.
ثانياً: كيف تطورت القدرة الإنتاجية؟
يتكون جانب العرض في قطاع الكهرباء من عنصرين رئيسيين: القدرة الإنتاجية لمحطات التوليد، ونوع الوقود المستخدم لتشغيلها.
تنتج ليبيا الكهرباء من نحو اثنتي عشرة محطة رئيسية موزعة على مختلف أنحاء البلاد. وقد بلغ إجمالي إنتاجها عام 2023 نحو 33.7 ألف جيجاواط ساعة، وهي قدرة يمكن اعتبارها متوسطة بالمقاييس الإقليمية، ولا تتناسب مع الإمكانات التي تمتلكها دولة تعد من كبار منتجي النفط والغاز في أفريقيا.
وتوضح الرسومات المرفقة أن إنتاج الكهرباء في الكويت ارتفع من 32.3 ألف جيجاواط ساعة عام 2000 إلى 88.0 ألف جيجاواط ساعة عام 2023، أي بمعدل نمو بلغ نحو 172%، بينما ارتفع إنتاج ليبيا خلال الفترة نفسها من 15.4 ألف جيجاواط ساعة إلى 33.7 ألف جيجاواط ساعة، أي بنحو 118% فقط.
ولو استمرت اتجاهات النمو التاريخية التي سادت خلال الفترة 2000–2007، لكان الإنتاج المطلوب لتلبية هذا المسار قد بلغ نحو 47 ألف جيجاواط ساعة في عام 2023، بدلاً من 33.7 ألف جيجاواط ساعة التي تحققت فعلياً.
وتبين البيانات أن إنتاج الكهرباء نما بوتيرة جيدة خلال الفترة 2000–2013، إذ ارتفع متوسط الإنتاج السنوي من 15.4 ألف جيجاواط ساعة إلى نحو 38 ألف جيجاواط ساعة، بمعدل نمو يقارب 6% سنوياً. غير أن هذا الاتجاه انعكس منذ عام 2014، حيث انخفض متوسط الإنتاج تدريجياً ليصل إلى 33.7 ألف جيجاواط ساعة في عام 2023، بمعدل تراجع يقارب 2% سنوياً.
ويشير ذلك إلى أن أزمة الكهرباء الحالية ليست نتيجة ارتفاع الطلب فقط، بل أيضاً نتيجة تباطؤ الاستثمار في توسيع القدرة الإنتاجية خلال العقد الأخير.
ثالثاً: ماذا عن الوقود؟
شهد قطاع الكهرباء تحولاً مهماً خلال العقدين الماضيين في نوع الوقود المستخدم لتشغيل محطات التوليد.
ففي عام 2000 كان الغاز الطبيعي يوفر نحو 22% فقط من احتياجات محطات الكهرباء، بينما كانت بقية الاحتياجات تعتمد على الوقود السائل، مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل والنفط الخام.
ومع دخول مشروع غاز غرب ليبيا ومراحل تطوير إنتاج الغاز، ارتفعت مساهمة الغاز الطبيعي تدريجياً حتى بلغت نحو 74% من وقود محطات الكهرباء في عام 2023، بعد أن وصلت إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات السابقة.
وقد حقق هذا التحول وفراً مالياً كبيراً، إذ إن تكلفة توليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي أقل بكثير من تكلفة استخدام الوقود السائل. وتشير التقديرات إلى أن التحول من الديزل إلى الغاز الطبيعي خلال الفترة 2015–2023 فقط وفر للاقتصاد الليبي ما يقارب 15 مليار دولار، وفق تكلفة استبدال الديزل بالغاز الطبيعي.
ورغم هذه الوفورات، فإنها لم تُترجم إلى توسع مماثل في القدرة الإنتاجية، نتيجة تباطؤ الاستثمارات في قطاع الكهرباء خلال العقد الماضي، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين نمو الطلب وقدرة المنظومة على تلبيته.
ومن ناحية أخرى، يبدو أن الاعتماد على الغاز الطبيعي قد اقترب من حدوده الحالية، في ظل غياب مشروعات كبيرة لزيادة إنتاج الغاز المخصص لمحطات الكهرباء، وفي ظل محدودية مساهمة مصادر الطاقة المتجددة.
كما أن إدخال الطاقة الشمسية على نطاق واسع سيظل يواجه تحديات اقتصادية في ظل استمرار نظام دعم الكهرباء الحالي، ما لم يصاحب ذلك إصلاح تدريجي لسياسات التسعير وآليات تمويل الاستثمارات.
الخلاصة
تكشف البيانات الدولية أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست نتيجة نقص الموارد الطبيعية، ولا نتيجة ارتفاع الاستهلاك وحده، وإنما هي نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في جانبي الطلب والعرض.
فمن جهة، تغير هيكل الطلب بصورة زادت من الوزن النسبي للاستهلاك المنزلي على حساب القطاعات الإنتاجية، ومن جهة أخرى تباطأ الاستثمار في توسيع القدرة الإنتاجية منذ عام 2014، رغم الوفورات المالية الكبيرة التي حققها التحول إلى الغاز الطبيعي.
وتقود هذه النتائج إلى أربع توصيات رئيسية.
أولاً، إعادة النظر في سياسات إدارة الطلب على الكهرباء، بحيث يصبح ترشيد الاستهلاك جزءاً من السياسة العامة للطاقة، مع المحافظة على القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية وعدم تحميلها أعباء تؤثر في نموها.
ثانياً، تسريع الاستثمار في توسيع وتحديث القدرة الإنتاجية، لأن استمرار نمو الطلب دون زيادة موازية في الإنتاج سيؤدي إلى اتساع فجوة العجز وارتفاع وتيرة انقطاعات الكهرباء.
ثالثاً، الاستفادة من الوفورات التي حققها التحول إلى الغاز الطبيعي في تمويل توسعة محطات التوليد وتحديث الشبكات، بما يضمن تحويل هذه الوفورات إلى تحسين فعلي في الخدمة بدلاً من أن تبقى مجرد وفر في تكلفة الوقود.

رابعاً، إعداد برنامج وطني طويل الأجل لتنويع مصادر الطاقة، يعتمد على إدخال الطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة بصورة تدريجية ومدروسة، بالتوازي مع إصلاح منظومة الدعم، بما يحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية وأمن الإمدادات الكهربائية.

Exit mobile version