يمثل الحد من حرق الغاز الطبيعي أحد الأهداف المهمة على المستويين الاقتصادي والبيئي، لما ينطوي عليه من تقليل هدر الموارد الطبيعية وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. وفي هذا الإطار، أشار تقرير البنك الدولي «تتبع حرق الغاز العالمي 2026» إلى أن ليبيا كانت سادس أكبر دولة في العالم من حيث حجم حرق الغاز خلال عام 2025، حيث ارتفع حجم الحرق بنسبة 15% بالتزامن مع زيادة إنتاج النفط بنسبة 17%، بينما انخفضت كثافة الحرق بنحو 1.7%، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرًا على تحسن نسبي في الاستقرار التشغيلي.
ومن حيث المبدأ، يصعب الاختلاف مع الرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير، وهي أن تقليل الحرق يمثل هدفًا اقتصاديًا وبيئيًا مشروعًا، إلا أن تقييم الحالة الليبية يتطلب مراعاة مجموعة من الخصائص الهيكلية التي لا تظهر بالقدر الكافي في المؤشرات العالمية المقارنة.
أين يصيب التقرير؟
يستند التقرير إلى مجموعة من الحقائق التي يصعب إنكارها، أهمها أن الغاز المحروق يمثل موردًا اقتصاديًا مهدورًا، وأن الغاز المصاحب يمكن – في الظروف المناسبة – استخدامه في توليد الكهرباء، أو الصناعات البتروكيميائية، أو إنتاج الغاز الطبيعي المسال (LNG)، أو غاز البترول المسال (LPG)، أو إعادة حقنه في المكامن النفطية لتحسين استخلاص النفط. كما أن تجارب دول مثل الولايات المتحدة والنرويج وكازاخستان أثبتت أن الاستثمار في البنية التحتية المناسبة قادر على خفض مستويات الحرق بصورة كبيرة، مع تحقيق فوائد بيئية تتمثل في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان، وتحسين جودة الهواء.
أين تصبح المقارنة أقل دقة بالنسبة لليبيا؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن التقرير العالمي يقدم مؤشرات مقارنة بين الدول، لكنه لا يعكس بصورة كافية الخصائص الاقتصادية والجغرافية والسياسية التي تؤثر في تكلفة تقليل الحرق داخل كل دولة، وهو ما ينطبق بوضوح على ليبيا.
أولًا: ارتفاع التكلفة الاقتصادية لجمع الغاز
يفترض التقرير ضمنيًا أن قيمة الغاز الذي يمكن استرداده تبرر الاستثمار في تقليل الحرق، إلا أن هذه الفرضية تختلف من دولة إلى أخرى. ففي ليبيا تقع نسبة كبيرة من الحقول النفطية في مناطق صحراوية نائية، بينما يتركز معظم الطلب على الغاز في المدن الساحلية ومحطات الكهرباء والصناعات الواقعة على الساحل. وهذا يعني أن استغلال الغاز يتطلب إنشاء مئات الكيلومترات من خطوط الأنابيب، ومحطات ضغط ومعالجة، إضافة إلى شبكات كهرباء وخدمات مساندة في مناطق بعيدة عن مراكز العمران. ومن ثم، فإن القيمة الاقتصادية للغاز لا تُقاس بسعره السوقي فقط، وإنما بعد خصم تكاليف النقل والتشغيل والأمن والتمويل والمخاطر الاستثمارية.
ثانيًا: الطبيعة الخاصة للغاز المصاحب
يختلف الغاز المصاحب عن حقول الغاز المستقلة، إذ يرتبط إنتاجه مباشرة بإنتاج النفط، وتتغير كمياته تبعًا لمستويات الإنتاج وظروف تشغيل الحقول. كما أن بعض الحقول تنتج كميات محدودة أو متفرقة تجعل إنشاء مرافق مستقلة لجمع الغاز أقل جدوى اقتصادية. ولذلك، فإن تقييم كل مشروع يجب أن يتم على أساس خصائص الحقل نفسه، وليس باعتبار أن جميع كميات الغاز المحروق قابلة للاستغلال بالشروط الاقتصادية ذاتها.
ثالثًا: الجغرافيا والبنية التحتية
تختلف ليبيا جذريًا عن الدول التي حققت نجاحًا كبيرًا في خفض الحرق، مثل النرويج أو الولايات المتحدة. فالمسافات بين الحقول والأسواق في ليبيا أكبر بكثير، والكثافة السكانية منخفضة في مناطق الإنتاج، كما أن شبكات الغاز والبنية التحتية لا تزال أقل تطورًا. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع تكلفة نقل كل متر مكعب من الغاز مقارنة بالدول التي تمتلك شبكات متكاملة وقريبة من مناطق الإنتاج.
رابعًا: المخاطر السياسية والأمنية
تؤثر حالة عدم الاستقرار السياسي والانقسام المؤسسي والمخاطر الأمنية بصورة مباشرة في قرارات الاستثمار طويلة الأجل. فارتفاع مستوى المخاطر يزيد من تكلفة التمويل، ويؤخر تنفيذ مشروعات البنية التحتية، ويجعل المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى لتعويض المخاطر، وهو ما يرفع التكلفة الاقتصادية لمشروعات جمع الغاز مقارنة بالدول المستقرة.
خامسًا: محدودية التمويل وتقاسم الأعباء
يتطلب خفض الحرق استثمارات رأسمالية كبيرة، في حين لا تزال فرص الحصول على التمويل الميسر أو التمويل المناخي محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية. وفي المقابل، فإن الفوائد البيئية المترتبة على خفض الانبعاثات تعود على المجتمع الدولي بأسره، وليس على ليبيا وحدها، الأمر الذي يبرر الدعوة إلى مشاركة أكبر من المؤسسات الدولية في تمويل هذه المشروعات وتقاسم مخاطرها.
سادسًا: الحرق التشغيلي والطارئ
لا يمثل كل الحرق هدرًا يمكن التخلص منه فورًا؛ إذ يرتبط جزء منه بمتطلبات السلامة أثناء التشغيل أو بحالات الطوارئ والانقطاعات المفاجئة. كما أن بيانات الأقمار الصناعية المستخدمة في التقارير العالمية لا تستطيع دائمًا التمييز بين الحرق الروتيني والحرق الناتج عن ظروف تشغيلية أو أمنية استثنائية، وهو ما يستدعي الحذر عند تفسير الأرقام.
سابعًا: أولويات الاستثمار الوطني
تواجه ليبيا احتياجات استثمارية كبيرة في مجالات الكهرباء والمياه والمصافي والموانئ والخدمات العامة. لذلك، فإن تنفيذ مشروعات جمع الغاز ينبغي أن يخضع لتحليل دقيق للعائد الاقتصادي والاجتماعي لكل مشروع، مع ترتيب الأولويات وفقًا للجدوى الاقتصادية، وليس بناءً على مؤشرات بيئية فقط.
لا خلاف على أن تقليل حرق الغاز هدف اقتصادي وبيئي مهم، وأن ليبيا تستطيع تحقيق مكاسب كبيرة من استغلال جزء أكبر من الغاز المصاحب. غير أن المقارنات الدولية تصبح أقل دقة عندما لا تأخذ في الاعتبار الخصائص الهيكلية للاقتصاد الليبي، وعلى رأسها اتساع المسافات بين الحقول والأسواق، وهيمنة الغاز المصاحب على الإنتاج، وارتفاع تكاليف البنية التحتية، والمخاطر السياسية والأمنية، وارتفاع تكلفة التمويل، إضافة إلى محدودية شبكات نقل الغاز.
ومن ثم، فإن السياسة الأكثر واقعية لا تقتصر على مطالبة ليبيا بخفض الحرق، وإنما ينبغي أن تقترن بتوسيع برامج التمويل الدولي، وتوفير قروض ميسرة، والاستفادة من سندات الكربون الدولية، وآليات لتقاسم المخاطر، والدعم الفني لنقل التكنولوجيا، مع الاعتراف بأن التكلفة الهامشية لتقليل حرق الغاز في ليبيا أعلى بكثير منها في العديد من الدول المنتجة الأخرى. وبهذا تصبح أهداف خفض الحرق أكثر قابلية للتحقيق، وأكثر اتساقًا مع الظروف الاقتصادية والتنموية الخاصة بالبلاد.

