يرى تقرير صادر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) أن كرة القدم في ليبيا تجاوزت كونها نشاطًا رياضيًا، لتتحول إلى مساحة سياسية تُستخدم فيها الرياضة كأداة لإبراز الشرعية والتنافس على النفوذ بين مراكز القوى المختلفة، في بلد يعاني من انقسام سياسي مستمر منذ عام 2011.
ويؤكد التقرير أن الأهمية السياسية لكرة القدم في ليبيا لم تنشأ من استثمار السلطة فيها، بل من مكانتها الاجتماعية الراسخة، إذ شكّلت الملاعب منذ عقود فضاءً عامًا للتعبير عن الهويات المحلية والاحتجاجات، بما جعلها بيئة قابلة للتوظيف السياسي أكثر من كونها صناعة رياضية خاضعة للسلطة.
ويستعرض التقرير مرحلة حكم معمر القذافي باعتبارها نموذجًا مبكرًا لمحاولة توظيف كرة القدم في بناء صورة خارجية للنظام، من خلال استثمارات وعلاقات رياضية دولية، أبرزها استضافة كأس السوبر الإيطالي في طرابلس عام 2002، إضافة إلى الدور الذي لعبه السعدي القذافي في نادي يوفنتوس الإيطالي. غير أن هذه الجهود، بحسب التقرير، لم تُنتج نفوذًا رياضيًا حقيقيًا بقدر ما كشفت حدود توظيف الرياضة كأداة “قوة ناعمة” في ظل غياب الأداء الرياضي والمؤسسي المتوازن.
وفي المقابل، يلفت التقرير إلى أن حادثة الأهلي بنغازي عام 2000 عكست مبكرًا قدرة الملاعب على التحول إلى فضاءات للاحتجاج السياسي، بعد أن تطورت مباراة كرة قدم إلى مواجهات مع النظام السابق، انتهت بإجراءات قمعية شملت إيقاف النادي وهدم منشآته.
ومع سقوط النظام في عام 2011، دخلت كرة القدم مرحلة جديدة من التسييس، مع انقسام البلاد إلى سلطتين متنافستين في الشرق والغرب، استخدمتا الرياضة كأداة لتعزيز الشرعية الداخلية والخارجية عبر تنظيم الفعاليات واستقطاب نجوم دوليين، في محاولة لإظهار الاستقرار رغم استمرار الانقسام السياسي.
ويشير التقرير كذلك إلى أن أحداث الشغب التي رافقت مباراة الاتحاد طرابلس والسويحلي في مايو 2026 تعكس تصاعد حالة الاحتقان الشعبي تجاه المحسوبية والتدخلات السياسية في إدارة اللعبة، حيث امتدت الاحتجاجات من أرض الملعب إلى مؤسسات حكومية، في مؤشر على تداخل الرياضة بالهياكل السياسية والاجتماعية.
ويخلص التقرير إلى أن كرة القدم في ليبيا باتت مرآة لبنية السلطة في البلاد، إذ يمكن ضبط تفاصيل اللعبة، لكن لا يمكن التحكم الكامل في نتائجها الاجتماعية والسياسية، ما يجعلها واحدة من أكثر المساحات تعبيرًا عن هشاشة التوازنات السياسية في ليبيا.
ويُطرح في هذا السياق تساؤل حول مدى إمكانية تحرر الرياضة من التوظيف السياسي، أم أنها ستبقى إحدى أبرز أدواته، وهل تعكس الملاعب واقع السلطة أم تكشف حدودها حين تخرج الأمور عن السيطرة.

