اللامركزية السياسية أم اللامركزية الإدارية؟
قد يقود الخلط في المصطلحات إلى اضطراب في بناء الدولة
من يطالع الصفحتين (16 و17) من التقرير النهائي للحوار المهيكل يلاحظ ورود مصطلح “اللامركزية السياسية” في سياق الحديث عن توزيع الاختصاصات بين الدولة والمستوى الإقليمي والمحلي، وهو استعمال يثير تساؤلاً قانونياً مشروعاً: هل أوصى فريق الحوكمة باعتماد النظام الفدرالي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خلطاً بين اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية؟
ومن وجهة نظر قانونية ودستورية، فإن القراءة المتأنية لمضمون الفقرة تقود إلى نتيجة واضحة، وهي أن فريق الحوكمة لم يكن يتحدث عن الفدرالية، وإنما كان يقصد اللامركزية الإداريّة، لكنه استخدم مصطلح اللامركزية السياسية في غير موضعه.
فالفرق بين المفهومين ليس فرقاً لغوياً فحسب، وإنما هو فرق يتعلق بشكل الدولة الذي سوف يحدده الدستور، هل هي دولة بسيطة واحدة أم دولة فدرالية موحّدة؟
فاللامركزية الإدارية تعني نقل بعض الاختصاصات الإدارية والتنفيذية من السلطة المركزية إلى وحدات محلية أو إقليمية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مع بقائها خاضعة للدستور والقانون ولرقابة الدولة، ولا تمنح الأقاليم أي سلطة تشريعية أو دستورية مستقلة، وإنما تهدف إلى تحسين الإدارة وتقريب الخدمات من المواطنين، وهي لا تمس وحدة الدولة.
أما اللامركزية السياسية (الفدرالية) فهي شيء مختلف تماماً؛ إذ تقوم على توزيع السلطة السياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، بحيث تمتلك هذه الأقاليم سلطات دستورية وتشريعية وتنفيذية وقضائية أصلية، لا تستمد وجودها من القانون العادي، وإنما من الدستور نفسه. وهذا هو جوهر النظام الفدرالي.
ولهذا السبب فإن القول بأن الدستور يجب أن يتضمن نصاً يقرر “اللامركزية السياسية بوصفها خياراً استراتيجياً للدولة” ليس تعبيراً فنياً يمكن تجاوزه، لأن هذا التعبير يحمل في الفقه الدستوري معنى محدداً، وهو الاتجاه نحو الدولة الاتحادية، بينما بقية الفقرة تتحدث عن إعادة تنظيم الحكم المحلي، ونقل الاختصاصات، وإلغاء وزارة الحكم المحلي، وتعزيز صلاحيات البلديات والأقاليم، وهي كلها موضوعات تنتمي إلى اللامركزية الإدارية، لا السياسية.
مما يؤكد أن المقصود لم يكن الفدرالية، وإنما إدارة محلية موسعة داخل إطار الدولة البسيطة.
وهنا يبرز سؤال آخر مهم:
كيف يمر مثل هذا الخلط في تقرير يُفترض أنه سيكون مرجعاً لصياغة مستقبل الدولة؟
إنّ استعمال المصطلحات الدستورية ليس مسألة شكلية، بل هو جزء من صناعة القرار السياسي ذاته. فكلمة واحدة قد تغيّر مدلول النص بالكامل، وقد تُفتح بسببها نقاشات سياسية وقانونية لم تكن مقصودة أصلاً.
ولهذا كان من الواجب أن تخضع الصياغات ذات الطبيعة الدستورية لمراجعة دقيقة من متخصصين في القانون الدستوري والقانون الإداري قبل اعتماد التقرير ونشره.
فالمتخصص لا يراجع اللغة فحسب، وإنما يراجع سلامة المفاهيم، واتساق المصطلحات، وآثارها القانونية والدستورية.
ولا ينتقص هذا من الجهد الكبير الذي بُذل في إعداد التقرير، ولكن لا بد من التأكيد على أنّ التقارير الوطنية الكبرى تحتاج دائماً إلى مراجعة متعددة التخصصات، لأن بناء الدولة يبدأ ببناء المفاهيم، قبل بناء المؤسسات، لأن الخلافات السياسية كثيراً ما تبدأ من سوء استعمال المفاهيم، ثم تتحول إلى أزمات دستورية يصعب احتواؤها.
ولذلك أوصي بتصويب هذا المصطلح في التقرير، بما يحفظ وضوح الرؤية ويمنع اللبس بين مشروع تطوير الإدارة المحلية، وبين تبني نظام اتحادي لم يطرح التقرير نفسه الدعوة إليه.
فالمفاهيم الدستورية ليست ألفاظاً مترادفة، وإنما لكل مصطلح منها آثار قانونية وسياسية قد ترسم شكل الدولة لعقود قادمة.
د. صالح المخزوم
أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس

