يثير الحديث عن رفع سعر الدولار الجمركي جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، خصوصًا في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد الليبي واعتماده الكبير على الواردات لتلبية احتياجات السوق المحلية.
ومن حيث المبدأ، فإن انخفاض سعر الدولار الجمركي مقارنة بالسعر الرسمي يساهم في تخفيف الأعباء المالية على المستهلك، إلا أن الواقع الليبي يجعل أثر هذا الإجراء محدودًا لأسباب متعددة.
فالرسوم الجمركية المفروضة على معظم السلع، وخاصة الأساسية منها، ليست مرتفعة أصلًا، وبالتالي فإن أي تعديل في سعر الدولار الجمركي لن ينعكس بشكل ملموس على أسعار هذه السلع، وقد يقتصر تأثيره على بعض السلع الكمالية فقط.
والأهم من ذلك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قيمة الدولار الجمركي بقدر ما تكمن في ضعف تطبيق القوانين والرقابة على المنافذ التجارية.
ومن الملاحظ أن الإيرادات الجمركية المتحصلة لا تتناسب مع الحجم الكبير للواردات التي تدخل إلى البلاد سنويًا.
فالكثير من المستوردين لا يسددون الرسوم والضرائب الجمركية وفق ما ينص عليه القانون، ومع ذلك يقومون بإدراج هذه التكاليف ضمن أسعار السلع التي يتحملها المستهلك النهائي، وهنا يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل الأعباء دون أن تستفيد الدولة من الإيرادات المفترضة.
كما أن استمرار عمليات التهريب إلى الدول المجاورة يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي، فجزء من السلع التي تدخل إلى السوق الليبية، وبعضها مدعوم أو مخصص للاستهلاك المحلي، يجد طريقه إلى خارج الحدود بطرق غير مشروعة. ونتيجة لذلك، يستفيد المهربون والأسواق المجاورة من هذه السلع، بينما يُحرم المواطن الليبي من المزايا التي كان يفترض أن تعود عليه.
وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن رفع سعر الدولار الجمركي سيحقق زيادة كبيرة في الإيرادات العامة للدولة، ما دامت آليات الرقابة والمتابعة غير فعالة، وما دام التهريب مستمرًا بالمستويات الحالية. بل إن الأثر الأكثر وضوحًا قد يتمثل في ارتفاع تكاليف السلع على المستهلك، بما يزيد من الضغوط المعيشية على الأسر الليبية.
إن جوهر الأزمة ليس في سعر الدولار الجمركي وحده، بل في غياب مؤسسات الدولة القادرة على فرض القانون وحماية الاقتصاد الوطني. وفي ظل هذا الغياب، يبقى المواطن والدولة هما الخاسرين الأكبر، بينما تستمر فئات محدودة من المهربين وبعض التجار في تحقيق مكاسب على حساب المصلحة العامة.
إن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بتعزيز الرقابة، ومكافحة التهريب، وضمان تحصيل الإيرادات الجمركية وفق القانون، قبل اللجوء إلى إجراءات قد تزيد الأعباء على المواطن دون تحقيق الأهداف المرجوة للدولة.

