يُعد ملف تهريب الوقود في ليبيا من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيداً وخطورة، خاصة مع تقديرات تشير إلى أن قيمة الوقود المهرب سنوياً قد تتجاوز 1.5 مرة من إجمالي قيمة الاستهلاك المحلي لوقود السيارات داخل البلاد.
وبحسب افتراضات تعتمد على متوسطات استهلاك عالمية مرتفعة (تقارب 800 لتر للفرد سنوياً كما في بعض دول الخليج)، ومع تقدير عدد السكان بنحو 7.5 ملايين نسمة، فإن الاستهلاك السنوي الإجمالي قد يصل إلى حوالي 5.6 مليارات لتر، أي ما يقارب 4.7 مليارات دولار سنوياً عند احتساب سعر تقريبي يبلغ 0.85 دولار للتر.
ومن زاوية أخرى تعتمد على استهلاك الأسر، ووفق فرضية امتلاك كل أسرة ليبية لسيارتين بمتوسط استهلاك أسبوعي يقارب 80 لتراً، فإن حجم الاستهلاك السنوي لا يبتعد كثيراً عن 5.7 مليارات لتر، بما يعادل نحو 4.8 مليارات دولار سنوياً.
لكن الإشكالية الأساسية تكمن في الفجوة بين الاستهلاك الفعلي والقيمة الاقتصادية المفقودة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن قيمة الوقود المهرب قد تصل إلى نحو 7 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم يتجاوز إجمالي قيمة الاستهلاك المحلي نفسه.
هذه المقارنة تطرح سؤالاً محورياً حول أولويات الإصلاح الاقتصادي: هل يكون التركيز على تقليص الدعم وتحويله، أم أن الأولوية يجب أن تكون لمكافحة التهريب الذي يستنزف موارد الدولة قبل أي إصلاحات أخرى؟
من منظور اقتصادي بحت، تبدو مكافحة التهريب هي الخطوة الأكثر إلحاحاً، إذ إن أي إصلاح في منظومة الدعم—سواء عبر التحول للدعم النقدي أو تقليصه—قد يفقد فعاليته ما لم تُضبط منافذ التسرب والاتجار غير المشروع بالوقود أولًا.
وفي المقابل، يظل إصلاح الدعم هدفاً اقتصادياً مشروعاً، لكنه يحتاج إلى بيئة رقابية صارمة تمنع تسرب الموارد قبل التفكير في تغيير شكل الدعم نفسه.
في المحصلة، لا تكمن الأزمة في دعم الوقود بحد ذاته، بل في غياب آليات فعالة لحمايته من الاستنزاف، وهو ما يجعل مكافحة التهريب أولوية اقتصادية عاجلة قبل أي إصلاحات هيكلية أخرى.

