كشف تقرير اللجنة المشتركة المشكلة من ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، عن اختلالات واسعة في منظومة دعم المحروقات وآليات توريد الوقود في ليبيا.
وحذر التقرير من ثغرات قانونية ومالية خطيرة، وتجاوزات في إجراءات التعاقد، وتضخم في تكاليف التوريد تسبب في خسائر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.
وأوضح التقرير أن منظومة دعم المحروقات تفتقر إلى أساس تشريعي وتنظيمي واضح، إذ لا يتضمن قانون النظام المالي نصوصاً صريحة تنظم الدعم أو تحدد آليات تمويله ومراقبته، رغم كونه أحد أكبر أبواب الإنفاق العام.
كما أشار إلى أن قانون النظام المالي لم ينص على إنشاء حساب حكومي خاص بدعم المحروقات، ولم تُفعّل الصلاحيات القانونية اللازمة لتنظيم هذا الملف ضمن إطار مالي مستقر.
وأكد التقرير أن الاعتماد على نظام المبادلة في توريد الوقود أدى إلى صعوبة تتبع الإنفاق الحقيقي، وساهم في إظهار الإيرادات والنفقات الرسمية للدولة بأقل من قيمتها الفعلية بنسبة تراوحت بين 30% و35%، معتبراً أن استخدام الموارد النفطية لتمويل الواردات عبر هذا النظام يتعارض مع القواعد المنظمة لإدارة المال العام.
وفي الجانب المالي، كشف التقرير عن ضعف كبير في تحصيل إيرادات المحروقات من شركات التوزيع، إذ لم تتجاوز الإيرادات المحصلة فعلياً خلال الأعوام 2022 و2023 و2024 نحو 596.7 مليون دينار، في ظل غياب آليات فعالة للتحصيل والمساءلة.
وعلى صعيد التعاقدات، أشار التقرير إلى أن لجنة العقود الزمنية بالمؤسسة الوطنية للنفط لم تمارس اختصاصاتها بصورة مستقلة، واقتصرت على تنفيذ توجيهات رئيس مجلس الإدارة، بدلاً من تقييم الموردين واختيارهم وفق معايير مهنية وفنية واضحة.
كما رصد التقرير غياب معايير محددة لتأهيل الموردين، ما أتاح التعاقد مع شركات حديثة التأسيس تفتقر إلى الخبرة والبنية التحتية اللازمة، مبيناً أن 75% من الشركات المتعاقد معها تأسست بعد عام 2017، فيما تعمل 87.5% منها في النشاط التجاري وليس في الإنتاج أو التكرير.
وسجل التقرير حالات تضمنت تقديم بيانات غير صحيحة في ملفات التسجيل، إلى جانب مؤشرات على التلاعب ببعض المستندات المقدمة من الشركات المتعاقد معها، فضلاً عن رصد تشابه في التوقيعات بين ممثلي شركات مختلفة شاركت في عقود توريد أبرمت خلال الفترة من 2022 إلى 2024، ما أثار شبهات بشأن سلامة إجراءات التعاقد.
وكشف التقرير أن المؤسسة أنهت التعامل مع 11 شركة عالمية كانت تزود السوق الليبي بالمحروقات خلال عام 2022، واستعاضت عنها بعدد محدود من الموردين الجدد، بينهم شركات حديثة التأسيس.
وأشار إلى أن شركة واحدة استحوذت خلال عام 2024 على نحو 43% من إجمالي قيمة عقود توريد الوقود، بما يقارب 3.98 مليارات دولار، في مخالفة لمبدأ تنويع مصادر التوريد والحد من مخاطر الاحتكار.
وفي ما يتعلق بالكميات والتكاليف، أوضح التقرير أن واردات المحروقات ارتفعت من 8.07 ملايين طن متري عام 2022 إلى 11.17 مليون طن متري عام 2024، بقيمة تجاوزت 9.22 مليارات دولار. كما ارتفعت واردات الديزل بنسبة 50% خلال الفترة نفسها، مقابل زيادة بلغت 9.5% في واردات البنزين.
ورصد التقرير ارتفاعاً كبيراً في علاوات التوريد، حيث قفزت علاوة البنزين بنسبة 1554% من 4.05 دولارات للطن إلى 67 دولاراً للطن، فيما ارتفعت علاوة الديزل بنسبة 450% من 14 دولاراً إلى 77 دولاراً للطن، رغم تراجع الأسعار العالمية خلال بعض الفترات.
وقدّر التقرير الخسائر السنوية الناتجة عن المبالغة في هذه العلاوات وعدم مراجعتها دورياً بنحو 596.6 مليون دولار سنوياً.
وأوصت اللجنة بإدراج بند إلزامي لدعم المحروقات ضمن الميزانية العامة، وتحديد مخصصاته وفق معايير واضحة ترتبط بالأسعار العالمية، مع نشر تقارير شهرية حول الكميات الموردة والموزعة وقيمة الدعم.
كما دعت إلى تعزيز تحصيل الإيرادات من شركات التوزيع عبر إلزامها بتحويل الإيرادات خلال 48 ساعة، وفرض غرامات تأخير على المتخلفين، ووقف التوزيع للشركات التي تتجاوز مديونياتها 30 يوماً.

