قرأت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في ليبيا 2026-2030، التي اعتمدت بالأمس، باهتمام.
وبصراحة، كلما تقدمت في القراءة ازداد اقتناعي بأن المشكلة في ليبيا ليست نقص الخطط، بل كثرة الخطط التي تحاول القفز إلى خط النهاية قبل أن تبدأ السباق.
الوثيقة تبدو جيدة من حيث الشكل، وتتكون من 60 صفحة مرتبة تضم ركائز ومبادرات ومؤشرات أداء وجداول ومسؤوليات. ولو اكتفينا بالنظر إلى الشكل، فقد يظن البعض أننا على بعد سنوات قليلة من التحول إلى دولة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن المشكلة أن الواقع لا يقرأ العناوين والصور والجداول، بل يبدأ من الأسئلة الصعبة.
كيف يمكن لدولة تعترف وثيقتها نفسها بأن بياناتها مشتتة، وتشريعاتها غائبة، وكفاءاتها محدودة، وسجلاتها ما زالت ورقية في معظم المؤسسات، أن تتحدث بعد ذلك مباشرة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في 80% من الجهات الحكومية خلال أربع سنوات فقط؟
من أين جاءت هذه الأرقام؟ وما الدراسة التي أثبتت أنها قابلة للتحقيق؟ وهل هي مبنية على الواقع الليبي أم أنها أرقام مستوردة من استراتيجيات دول أخرى ثم أُعيد تدويرها داخل وثيقة ليبية؟
مشكلتي ليست مع الطموح، فهو أمر محمود، وإنما عندما يتحول الطموح إلى بديل عن التخطيط.
وأثناء القراءة لاحظت أن أول مبادرة تتمثل في إطلاق جسم جديد في ليبيا باسم “الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي”، لتتولى تنفيذ هذه الاستراتيجية. وبغض النظر عن أن إنشاء الهيئات والأجسام الجديدة أصبح نهجًا متكررًا في الإدارة الليبية وأثبت فشله في أكثر من مناسبة، يظل السؤال مطروحًا: لماذا لم تُنشأ هذه الهيئة قبل إطلاق الاستراتيجية؟
تخيل أن شخصًا يضع مخططًا لبناء مدينة كاملة، ثم تكتشف أن الشركة التي ستبني المدينة لم تُنشأ بعد. هذا ليس تخطيطًا بقدر ما هو تعليق لمستقبل كامل على افتراض قد يتحقق وقد لا يتحقق.
ثم تأتي المعضلة الأكبر: 35 مشروعًا ومبادرة، وسحابة سيادية، ومراكز بيانات، وتدريب آلاف الموظفين، ودعم الشركات الناشئة، ومنصات وطنية، وبرامج تعليمية. كل ذلك يبدو جميلًا، لكن لا توجد تقريبًا أي إجابة عن السؤال الأهم في أي مشروع حكومي في العالم:
كم ستكلف هذه المشاريع؟ ومن أين سيأتي التمويل؟
استراتيجية لا تحتوي على تقديرات مالية أو مصادر تمويل واضحة تشبه شخصًا يخطط لبناء منزل فاخر دون أن يعرف كم يملك في حسابه المصرفي.
في الحقيقة، هذه ليست مشكلة هذه الوثيقة وحدها، بل مشكلة متكررة في كثير من الخطط الحكومية لدينا. نهتم كثيرًا بما نريد الوصول إليه، ونادرًا ما نتحدث عن الطريق الذي سنسلكه للوصول.
أما أكثر ما أثار استغرابي فهو الحديث المتكرر عن السيادة الرقمية، وكأن ليبيا ستبني منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة عن العالم. نحن في عام 2026، وحتى الدول الكبرى تعتمد على نماذج وتقنيات تطورها شركات عالمية عملاقة باستثمارات بمليارات الدولارات.
السيادة الرقمية اليوم لا تعني أن تصنع كل شيء بنفسك، بل أن تعرف أين توجد بياناتك، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف تحميها. أما محاولة تقديم فكرة الاكتفاء التقني الكامل فهي أقرب إلى الخطاب السياسي منها إلى الواقع التقني.
ثم هناك سؤال آخر لم أجد له جوابًا واضحًا: كيف يمكن لوثيقة تحمل صفة “وطنية” أن تتجاهل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد؟ كيف ستُطبق هذه المبادرات على مستوى ليبيا كلها؟ ومن سيملك سلطة التنفيذ والمتابعة؟ وماذا سيحدث إذا تغيرت الحكومات أو تغيرت الأولويات؟
هذه ليست تفاصيل جانبية، بل أسئلة تحدد ما إذا كانت الخطة ستعيش أو ستنتهي بمجرد تغيير المسؤولين.
بعد أن أنهيت القراءة، خرجت بانطباع بسيط:
الوثيقة نجحت في رسم صورة لما نريد أن نكون عليه بعد سنوات، لكنها فشلت في شرح كيف سنصل إلى هناك. وكأننا بدأنا من الطابق العاشر قبل أن نتأكد من وجود أساسات للمبنى.
ومع ذلك، لا أعتقد أن الحل هو رمي الوثيقة في سلة المهملات. فما زال بالإمكان تحويلها إلى شيء مفيد إذا تم التعامل معها باعتبارها مسودة أولى لا منتجًا نهائيًا.
برأيي، ليبيا لا تحتاج اليوم إلى 35 مبادرة متوازية ولا إلى عشرات الشعارات الجديدة. نحتاج أولًا إلى قانون لحماية البيانات، ونحتاج إلى جهة واضحة تقود الملف، ونحتاج إلى رقمنة حقيقية للبيانات الحكومية. ثم نحتاج إلى مشروع واحد ناجح يراه المواطن بعينه ويشعر بأثره. بعد ذلك فقط يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، ولن يحدث كل هذا خلال أربع سنوات فقط.
فالتحول الرقمي لا يُقاس بعدد الصفحات في الاستراتيجية، ولا بعدد المبادرات المكتوبة فيها، بل بعدد المشاريع التي خرجت من الورق وعملت فعليًا على أرض الواقع.
ملاحظة: هذه الاستراتيجية نفسها نُشرت نسخة قريبة جدًا منها، مع تعديلات طفيفة، على موقع الهيئة العامة للمعلومات قبل نحو ثمانية أشهر، ويمكن الاطلاع على الرابط في التعليقات.

