Menu
in

ليبلونكم الله بشيء من الصيد

 

خطرَ لي منذ قليل، وأنا أقرأُ في سورةِ المائدةِ، أنَّ من لم يجرّبْ صيدَ البرِّ، ولا يعرفْ سلطانَ هذه العادةِ، لا يمكنُ أن يدركَ وجهَ الابتلاءِ في قوله تعالى للمُحرِمِ بحجٍّ أو عمرةٍ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ﴾.

فما معنى الابتلاءِ في مرورِ غزالٍ بجوارِكَ وأنتَ مُحرِمٌ ؟
أين هو الابتلاءُ في تركِ هذا الصَّيدِ ؟

لا شكَّ أنَّ الآيةَ باقيةٌ على ظاهرِها وعمومِها، وفي آخرِ الآيةِ بيانٌ لأحدِ مقاصدِ التشريعِ: ﴿لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾.
لكنَّ هذه الآيةَ — في تقديري — تخاطبُ كلَّ مسلمٍ ابتلاه اللهُ بمقارفةِ المعاصي دون عقابٍ ولا حسابٍ، وفي سهولةٍ ويسرٍ.
تخاطبُ كلَّ رجلِ دولةٍ استطاعَ أن ينالَ بيدِه أو رمحِه، أي مباشرةً أو عبرَ وسيطٍ، ودون أدنى جهدٍ وعناءٍ، ما حرَّمَه اللهُ عليه من مالٍ عامٍّ أو خاصٍّ.
وتخاطبُ كلَّ شابٍّ بعيدٍ عن رقابةِ مجتمعِه، قالت له الفاحشةُ: «هَيْتَ لكَ».
وتخاطبُ كلَّ جلَّادٍ ورجلَ أمنٍ؛ ابتلاه اللهُ بمظلومٍ عاجزٍ بين يديه.
وتخاطبُ كلَّ ذَكَرٍ غليظِ القلبِ استفردَ بامرأةٍ ضعيفةٍ بعقدِ زواجٍ….

كما أنَّ هذه الآيةَ تذكّرُنا بأختِها في سورةِ البقرةِ عندما قالَ طالوتُ لجنودِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾.
ما معنى أن تمنعَ جيشًا من شربِ ماءِ نهرٍ عذبٍ يمرُّ بجوارِهم؟
لأنَّ هذا الجيشَ ليس لديه مشكلةٌ في قناعتِه بضرورةِ القتالِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ﴾، وليس لديه شكٌّ في مُلكِ طالوتَ المؤيَّدِ بالتابوتِ!
ولكن لا بدَّ من «تمحيصِ» عزائمِ هذا الجيشِ وقوةِ إرادتِه؛ لأنَّ القناعةَ الفكريةَ السطحيةَ لا تكفي، والإسلامُ ليس كلمةً يلوكُها المرءُ على لسانِه.

إنَّ الإسلامَ يريدُ تربيةَ «الإرادةِ» في قلبِ المسلمِ، حتى لا ينساقَ خلفَ ما تشتهيه نفسُه؛ لأنَّ صراعَنا مع الباطلِ وأهلِه هو صراعُ إراداتٍ لا صراعُ قناعاتٍ.
الإسلامُ يريدُ منا أن ننهى النفسَ عن الهوى، لا أن نتخذها إلهًا.
الإسلامُ يريدُ منا أن يكونَ المالُ في أيدينا لا في قلوبِنا.
الإسلامُ — باختصارٍ — يريدُ منا أن نكونَ عبيدًا للهِ وحدَه، لا يُغرينا صيدٌ، ولا نخضعُ لعبيدِ.

 

 

نائب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

ونيس المبروك

Exit mobile version