Menu
in

حكم بالبراءة لرموز النظام السابق يثير الجدل حول القضاء والعدالة الانتقالية في ليبيا

بعد أكثر من 15 عامًا من التقاضي، أسدلت محكمة الاستئناف في طرابلس الستار على القضية رقم 630 لعام 2012، المعروفة بمحاكمة أركان نظام القذافي، بإصدار حكم نهائي يقضي ببراءة جميع المتهمين من التهم المنسوبة إليهم.

القضية التي شملت أكثر من 36 متهمًا، من أبرزهم سيف الإسلام القذافي، ومنصور ضو، والبغدادي المحمودي، وعبد العاطي العبيدي، وأبو زيد دوردة، وعبد الله السنوسي، مرّت بتحولات قضائية حادة منذ بدايتها، إذ صدر في مرحلتها الابتدائية عام 2015 حكم بالإعدام على أكثر من 15 متهمًا، إلى جانب أحكام بالسجن بحق آخرين، قبل أن تنقض المحكمة العليا لاحقًا الحكم وتحيل القضية إلى دائرة أخرى بمحكمة استئناف طرابلس لإعادة النظر فيها.

وخلال مسارها الطويل، توفي عدد من المتهمين يُقدّر بنحو سبعة أشخاص، فيما استمرت جلسات المحاكمة لسنوات قبل الوصول إلى الحكم النهائي الذي أنهى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مرحلة ما بعد 2011.

ورغم الطابع القانوني للحكم، إلا أن القضية تحولت إلى مساحة سجال سياسي وقانوني حول طبيعة المرحلة الانتقالية في ليبيا، وحدود مسؤولية الدولة عن أفعال موظفيها خلال النزاعات المسلحة، وما إذا كانت تُقرأ في سياق “تنفيذ أوامر عليا” أم باعتبارها انتهاكات تستوجب المساءلة الفردية.

في المقابل، ما تزال قضية عبد الله السنوسي المرتبطة بواقعة سجن أبو سليم منظورة أمام القضاء، حيث من المقرر عقد جلسة جديدة في 14 يونيو أمام محكمة جنايات طرابلس، في ملف يُعد من أكثر القضايا حساسية في سياق العدالة الانتقالية الليبية.

منطوق الحكم

محكمة استئناف طرابلس قضت، الاثنين، الماضي ببراءة عدد من المسؤولين السابقين في قضية قمع متظاهري ثورة 17 فبراير، التي تحمل الرقم 630 لسنة 2012، والمتعلقة باتهامات بارتكاب انتهاكات خلال أحداث 2011.

وشمل الحكم بالبراءة كلا من رئيس جهاز الاستخبارات السابق عبدالله السنوسي، ورئيس الوزراء الأسبق البغدادي المحمودي، وآمر الحرس الشعبي منصور ضو، إلى جانب عدد من المسؤولين السابقين الآخرين، من بينهم محمد أبو القاسم الزوي، ومحمد منصور الشريف، وآخرون.

كما شمل الحكم براءة غيابية لعدد من المتهمين، من بينهم ميلاد دامان وعلي الزاوي وآخرون وردت أسماؤهم في ملف القضية.

وقضت المحكمة كذلك بانقضاء الدعوى الجنائية لوفاة عدد من المتهمين قبل صدور حكم نهائي بحقهم، من بينهم سيف الإسلام القذافي، وأبو زيد دوردة، وعبدالحفيظ الزليطني، وعدد آخر من المسؤولين السابقين.

ويمثل المتّهمون أمام المحكمة منذ أكثر من عقد من الزمان، في مواجهة 37 تهمة جنائية، من بينها قتل المتظاهرين العزل وإشعال الحرب الأهلية والنهب والتخريب، وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

“انتقلت إلى قاضي السماء”

من جانبه، قال المحامي عبد السلام أبو غالية، إن محكمة استئناف طرابلس ذكرت، في منشورها الأصلي بخصوص حكمها بتبرئة عدد من قيادات النظام السابق في قضية قمع المتظاهرين إبان أحداث ثورة 17 فبراير، وعلى رأسهم رئيس المخابرات السابق عبد الله السنوسي وآخرون، أنها قضت “بتبرئتهم مما نُسب إليهم من اتهام”، قبل أن تقوم لاحقًا بتعديل المنشور وحذف هذه العبارة.

وأوضح أبو غالية، في منشور على صفحته الشخصية ، أن حذف العبارة جعل الحكم “غامضًا وضبابيًا”، مضيفًا: “إذا كان حكم البراءة صحيحًا، فعلى القضاء الليبي السلام”، بحسب تعبيره.

وأشار إلى أنه، في حال افتراض صدور حكم بالبراءة، فإنه يُعد حكمًا نهائيًا، لكنه “ليس باتًا”، ما يعني إمكانية الطعن فيه بالنقض أمام المحكمة العليا.

وبيّن أبو غالية أن المحكمة لم تحكم ببراءة كل من سيف الإسلام القذافي وأبو زيد دوردة، كما يُتداول، وإنما قضت بـ“انقضاء الدعوى الجنائية في حقهما لوفاتهما”.
وأكد أن هذا النوع من الأحكام “لا يُبرئ المتهمين”، وإنما يعني “انتقال المحاكمة من قاضي الأرض إلى قاضي السماء”.

الإطار القانوني

بدوره ، قال محامي عبد الله السنوسي أحمد نشاد، في تصريح للرائد، إن القضية رقم 630 “أُسدل الستار عليها بعد مسار قضائي طويل تجاوز 15 عامًا”، مشيرًا إلى أنها ضمت عشرات المتهمين، وتوفي عدد منهم خلال سير الإجراءات.

وأوضح أن الحكم الابتدائي الصادر عام 2015 تضمن أحكامًا بالإعدام بحق عدد من المتهمين، بينما نال آخرون أحكامًا بالسجن أو البراءة، قبل أن تتدخل المحكمة العليا وتنقض الحكم وتحيل الملف لإعادة النظر أمام محكمة الاستئناف.

وأضاف أن الدعوى أعيد تداولها لسنوات قبل صدور حكم نهائي ببراءة جميع المتهمين، لافتًا إلى أن القضية أثارت جدلًا واسعًا حول الإطار القانوني لأفعال المتهمين خلال أحداث عام 2011، وهل كانت ضمن مسؤوليات الوظيفة أم خارجها؟

القضاء جزء من الأزمة

في المقابل، قدّم الناشط الحقوقي حمد العشيبي قراءة نقدية للمشهد القضائي، معتبرًا في تصريح للرائد أن القضاء الليبي “جزء من الأزمة وليس منفصلًا عنها”، في ظل ما وصفه بعجز المنظومة العدلية عن التعامل مع الملفات الكبرى المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.

وأشار إلى أن إرث المحاكم الاستثنائية في فترات سابقة ما يزال يلقي بظلاله على استقلالية القضاء، لافتًا إلى أن ملفات مثل المقابر الجماعية والإخفاء القسري، ومنها ترهونة، تكشف حجم التحديات البنيوية التي تواجه العدالة في البلاد.

وشدد العشيبي على أن العدالة الانتقالية تمثل، من وجهة نظره، المسار الوحيد القادر على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، محذرًا من أن غياب رؤية وطنية شاملة قد يعمّق الانقسام الاجتماعي ويُضعف الثقة في مؤسسات الدولة.

مقاربة سياسية

وفي سياق ذي صلة، قدم المحلل السياسي محمد محفوظ، مقاربة مختلفة معتبرًا أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في سردية طرف واحد، بل هي نتاج تراكمات شاركت فيها أطراف متعددة منذ عام 2011.

وقال في تصريحات متلفزة، إن المشهد السياسي الحالي تحكمه “شخصيات نفعية” من مختلف الاصطفافات، سواء من النظام السابق أو من معسكر ثورة فبراير، مشيرًا إلى أن استمرار الاستقطاب بين “فبراير” و”سبتمبر” لم يعد يعكس حقيقة الواقع السياسي.

وأضاف محفوظ أن هذا الانقسام بات يُستخدم كأداة سياسية لتبرير الفشل وإعادة إنتاج الأزمات، داعيًا إلى تجاوز خطاب التخوين والانتقال نحو مشروع وطني جامع يعالج الانقسام السياسي ويؤسس لمرحلة جديدة من بناء الدولة.

يُعادُ مع حكم براءة رموز النظام السابق في القضية رقم 630، فتحُ واحد من أكثر ملفات العدالة حساسية في البلاد، ليس فقط من زاوية الإجراءات القضائية، بل من حيث أثره على الذاكرة ومطالب الإنصاف المؤجلة.

وبين من يرى في الحكم تصحيحًا لمسار قضائي طويل، ومن يعتبره تعبيرًا عن أزمة أعمق في بنية العدالة الانتقالية، تبقى التساؤلات مطروحة، فهل يتمكن القضاء الليبي من معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة بعيدًا عن الاستقطاب السياسي؟ وهل يمكن تحقيق إنصاف حقيقي للضحايا دون مسار وطني شامل للعدالة الانتقالية؟ وكيف يمكن بناء ثقة مفقودة بين المواطنين والمؤسسات العدلية في ظل استمرار القضايا العالقة وذاكرة الصراع المفتوحة؟

Exit mobile version