في ظل استمرار الانسداد السياسي في ليبيا وتزايد التباين حول مخرجات المرحلة الانتقالية، عادت المادة 64 من الاتفاق السياسي لتتصدر المشهد مجدداً، باعتبارها أحد الخيارات الاحتياطية المطروحة في حال فشل المسارات الحالية في التوصل إلى تسوية تفضي إلى إجراء الانتخابات.
بين الحل الانتقالي وإعادة التأسيس
وتُعد هذه المادة، وفق النقاشات الدائرة، آلية يمكن تفعيلها عند تعذر التوافق بين مجلسي النواب والدولة، بما قد يفتح الباب أمام إطلاق مسار حوار سياسي جديد، قد لا يقتصر على معالجة الخلافات القائمة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الأجسام السياسية أو استبدالها ضمن ترتيبات توافقية أوسع.
وكانت اللجنة الاستشارية التابعة للبعثة الأممية قد أشارت في ملخصها التنفيذي إلى إمكانية اللجوء إلى هذا المسار، مع طرح خيار استبدال المؤسسات الحالية بمجلس تأسيسي يُنتخب عبر عملية حوار جديدة، وهو ما أعاد فتح الجدل حول ما إذا كانت المادة 64 تمثل مجرد مخرج انتقالي، أم بداية لمرحلة إعادة تأسيس سياسي شامل.
مقاربة أممية بمسارين للخروج من الجمود
في هذا السياق، طرحت المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، مقاربةً تقوم على مسارين متوازيين للخروج من حالة الجمود.
ويتمثل المسار الأول في إطلاق حوار مصغر بين “حكومة الدبيبة” و”حفتر”، بهدف التوصل إلى توافق حول القوانين الانتخابية العالقة، والتي تُعد العقبة الأبرز أمام تنظيم الاستحقاق الوطني.
أما المسار الثاني، فيقوم على تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي والدعوة إلى ملتقى حوار سياسي جديد، في حال فشل المسار الأول، بما يتيح إعادة إطلاق العملية السياسية من قاعدة توافقية أوسع.
جدل سياسي حول طبيعة الحل
وبين هذين المسارين، يتعمق الخلاف داخل المشهد السياسي، فبينما ترى البعثة الأممية أن تنوع الخيارات يعزز فرص الوصول إلى تسوية، إلا أن أطراف في الحوار المهيكل أبدت مخاوفها من تفعيل المادة 64 ، مبررةً ذلك بأن تفيلها يتحول من أداة انتقالية إلى مدخل لإعادة صياغة السلطة الانتقالية بالكامل، وليس مجرد وسيلة لتجاوز التعثر الراهن.
مواقف سياسية
من جهته، أكد رئيس الحزب الديمقراطي محمد صوان في مقابلة تلفزيونية سابقة، أن البعثة الأممية تسعى إلى إشراك ممثلين عن سلطات الأمر الواقع في الشرق والغرب، بهدف معالجة ملفين أساسيين يتمثلان في القوانين الانتخابية التي تحتاج إلى دسترة، وقضية مفوضية الانتخابات، بما يمهد لتهيئة الظروف أمام تشكيل حكومة جديدة قادرة على تنفيذ الاستحقاق الانتخابي.
وأشار صوان إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن استمرار الحكومات كان يُبرر غالباً بغياب القوانين الانتخابية المتفق عليها، مضيفاً أن الأطراف المحلية والمجتمع الدولي والبعثة الأممية باتوا متفقين على ضرورة إقرار هذه القوانين قبل أي عملية تكليف لحكومة جديدة.
في المقابل، توقع رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية أسعد زهيو في تصريح لصحيفة “الشرق الأوسط”، أن تتجه المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى الدفع نحو تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي، والدعوة إلى إطلاق حوار سياسي موسع، مشيراً إلى أن هذا الخيار يحظى، بحسب تقديره، بدعم القوى الدولية، بما فيها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، باعتباره صيغة توازن بين المصالح الدولية المختلفة.
في ظل هذا الجدل، يبقى المشهد أمام مفترق طرق جديد، بين خيار تسوية تدريجية تركز على تمرير القوانين الانتخابية وتثبيت المسار القائم، أو الذهاب نحو عملية إعادة تأسيس سياسي شامل قد تعيد رسم موازين القوى من جديد.


