Menu
in

الاقتصاد المزعج أبداً.. أود أن أستفزكم

جفّت التغطية الإعلامية خلال الأيام الأخيرة من الحديث عن الدولار، والإنفاق، والميزانية، والتضخم.
وقد طغت على هذه المواضيع شؤون أخرى تتعلق بمساومات الحل السياسي، وجرائم قتل في عدد من المناطق مع انتشار جزئي للعنف، إضافة إلى بنزين خارج المواصفات.

استراحة محارب…

لكن سؤالي: هل انتهت الأزمة الاقتصادية والمالية؟ وهل نحن على أعتاب استعادة قوة الدينار أمام الدولار، وتنظيم الإنفاق الحكومي بما يحقق تنمية مضطردة وتحكماً في التضخم؟

يبدو أن هذا الهدوء ناجم في جزء منه عن تأخر المصرف المركزي في نشر بيانه الشهري عن مارس 2026، والمتعلق بالإيراد والإنفاق والتوازن الدولاري مقابل الدينار.
وقد نشرت المؤسسة الوطنية للنفط بيانها الشهري، إلا أن اختلاف المعايير والمقاييس بين المؤسسة والمصرف لن يقود إلى تطابق؛ فالمؤسسة تنشر الإيرادات بتاريخ الشحن، بينما ينشر المصرف الإيرادات بتاريخ الاستحقاق.

المصرف المركزي قاد حملة إعلامية في شهري يناير وفبراير 2026 وصلت في فترة معينة إلى بيان يومي، قبل اندلاع الحرب الإيرانية–الأمريكية التي أدت إلى ارتفاع سعر النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.
وكان هدف هذه الحملة الضغط على المؤسسة لإيداع جميع الإيرادات، وعدم حجز مبالغ كضمان لتوريد المحروقات.
وفي بيان المؤسسة الشهري عن مارس، تُلمّح المؤسسة إلى أنها قامت بذلك، لكنها في المقابل نشرت تكلفة شراء المحروقات التي وصلت إلى نحو 800 مليون دولار، وهي نقطة لم يوضحها المصرف المركزي بعد.

ومع ذلك، يبدو أن المصرف المركزي في وضع أكثر راحة حالياً من حيث التدفق النقدي، وهو ما يرجع بدرجة كبيرة إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 40% خلال مارس 2026، وهو ما يغطي تقريباً قيمة استيراد المحروقات.
كما يبدو واضحاً أن المصرف يحاول تركيز جهوده على التحكم في سعر الصرف، من خلال التوسع في التحويلات وتوفير الدولار النقدي للأسواق، بما يحدّ من عمليات المضاربة على الدينار.

هدوء الأسواق حالياً يشير إلى نجاح جزئي لجهود المصرف المركزي. لذلك، ففي رأيي، قد يكون إصدار بيان شهري قبل السيطرة الكاملة على السوق عاملاً مسبباً للقلق، وقد يربك الجهود المبذولة لضبط سعر الصرف.

البيان، في صورته الحالية، مليء بالثغرات، وقد ناقشناها سابقاً. ويمكن أن تُستغل أي من هذه الثغرات من قبل مجتمع المضاربين لتنفيذ “الضربة الثانية”، وهو أمر معروف في تحليل سلوك المضاربة.
والنشر الشهري بحد ذاته يمثل أهم ثغرة في نظام الإفصاح الذي تبناه المصرف المركزي، لأنه يعتمد على إحصاءات غير مدققة. ومهما حاول مُعدّ البيان سدّ هذه الثغرات، فإن طبيعة البيان الشهري نفسها كفيلة بكشفها.

القضية الثانية التي أود أن “أزعجكم” بها هي الميزانية.
فعلى الرغم من كل الحديث الإيجابي عن الاتفاق على ميزانية موحدة، إلا أنني لا أزال أعتقد أن الدولة الليبية لا تملك ميزانية فعلية حتى الآن.

الميزانية ليست مجرد جدول محاسبي متداول بين النخب السياسية؛ بل إن أدق وصف لما يُتداوَل حالياً هو “مسودة ميزانية” أو “مقترح ميزانية”.
فالميزانية هي إعلان صادر عن السلطة التشريعية، يتضمن قيوداً حاضرة ومستقبلية. وحتى الآن، لا توجد خريطة طريق واضحة لهذا الإعلان.

لذلك، يمكن إعادة استخدام مصطلح “الترتيبات المالية”، كما حدث خلال فترة حكومة الوفاق الوطني.
وهذا، في تقديري، أكثر أماناً، حتى لا يتحول الإنفاق تحت مسمى “ميزانية” إلى إنفاق يُنظر إليه كشرعي.
فالدين العام الناتج عن الترتيبات المالية لا يزال، حتى اليوم، يُنظر إليه كإنفاق غير شرعي، وهو – من زاوية نظرية ومنطقية – توصيف أكثر تحفظاً وانضباطاً.

في المجمل، يظل الاقتصاد حالياً مرتبطاً بشكل كبير بالأحداث الدولية، خصوصاً تلك المتعلقة بارتفاع أسعار النفط.
ومن المتوقع أن تخفت الأصوات التي تتحدث عن أزمة اقتصادية، لكن السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستستمر هذه الأسعار المرتفعة؟

راقبوا جيداً… فبمجرد أن يبدأ المصرف المركزي في إصدار بيانات يومية وأسبوعية وشهرية، ستتغير نبرة الحديث.

Exit mobile version