كتب أحد مطبّلي الحكومة، المدعو مجدي مجدي (أو هذا هو الاسم الذي اختارته الشخصية الحقيقية التي كتبت هذا الإدراج)، نصًا يحاول فيه إعادة رسم صورة رئيس الحكومة بشكل منفصل تمامًا عن الواقع الذي يراه الليبيون يوميًا.
المشكلة أن ما كُتب لا يُعد تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو محاولة غريبة لتبرير الفشل عبر تحويل حالة الانسداد والعجز التي تعيشها البلاد إلى “حنكة” مزعومة، فقط لأن الرجل ما زال في موقعه.
وبينما كنت أقرأ هذا التصوير المبالغ فيه، لم أستطع إلا أن أتذكر الشخصية الكرتونية المعروفة (المفتش غادجيت)، ذلك الرجل الذي يبدو خارقًا ويمتلك كل الأدوات، لكنه في الحقيقة درويش يتخبط، وتُحسب له النتائج رغم أنها تحدث من حوله لا بسببه. هكذا تمامًا يحاول الكاتب رسم صورة الدبيبة بطلًا استثنائيًا يدير كل الخيوط، بينما الواقع يقول غير ذلك.
الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ فبقاء عبد الحميد الدبيبة في السلطة ليس إنجازًا، بل نتيجة مباشرة لفوضى سياسية عميقة: انقسام مؤسسات، وغياب إطار دستوري، وفشل المسارات الانتخابية، وتوازنات هشة بين أطراف عاجزة عن الحسم. فالاستمرار هنا ليس دليل قوة، بل عرض من أعراض الأزمة. بل إن الرجل اليوم في أضعف حالاته سياسيًا وأمنيًا وشعبيًا، وبقاؤه مرتبط فقط بغياب آليات التغيير، لا بامتلاكه أدوات السيطرة.
الأغرب أن الكاتب يحاول تسويق صورة “المدني الضعيف الذي تغلب على الجميع”، بينما الواقع يقول إن البلاد منقسمة، والقرار السيادي مرتهن، والنفوذ موزع بين قوى مسلحة تتقاسم المشهد. ولو كان هناك انتصار حقيقي، لظهر في شكل استقرار سياسي أو تحسن أمني أو اقتصادي، وهو ما لم يحدث.
هذا النوع من الخطاب، الذي يفسر كل خطوة على أنها “ذكاء” حتى عندما تقود إلى مزيد من الجمود، هو في جوهره محاولة لعقلنة الفوضى.
فبدل مساءلة السلطة عن تعثر الانتخابات، وتدهور الخدمات، واستمرار سطوة السلاح، يتم اختراع سردية بطل يدير الجميع من خلف الستار. وهذه ليست قراءة سياسية، بل دعاية سمجة. أما الحديث عن “صفقات تُدار بدهاء وتنتهي بالفشل المقصود”، فهو طرح غير متماسك؛ فالسياسة تُقاس بالنتائج لا بالنوايا، وإذا كانت النتيجة الدائمة هي الفشل، فذلك لا يُسمى تكتيكًا، بل عجزًا عن إنتاج حلول. وجوهر الأزمة في ليبيا ليس ذكاء هذا أو غباء ذاك، بل غياب قواعد لعبة واضحة ومؤسسات مستقرة.
ما كُتب ليس تفسيرًا للواقع، بل محاولة لإعادة تغليف الفشل وتقديم الفوضى على أنها نجاح تكتيكي، وهو تضليل. والاستمرار في هذا الخطاب لا يخدم إلا إطالة عمر الأزمة واستغفال الرأي العام.
in مقالات
بين الدعاية والواقع: كيف يُعاد تسويق الفشل السياسي في ليبيا

