أثار قرار وزير المالية بحكومة الوحدة، راشد أبوغفة، إلغاء العمل بسعر الدولار الجمركي، موجةً واسعةً من الجدل في الأوساط الاقتصادية، بين من يراه خطوة إصلاحية ضرورية، ومن يعتبره إجراءً صادماً قد يفاقم الضغوط المعيشية ويزيد من اضطراب سوق الصرف.
ما الدولار الجمركي؟ ولماذا أُلغي؟
الدولار الجمركي هو السعر الذي تعتمد عليه الجهات المختصة لاحتساب الرسوم على السلع المستوردة، وفي ليبيا، كان يُحتسب عند مستوى منخفض نسبياً (حوالي 2.5 دينار للدولار)، بهدف تخفيف تكلفة الواردات وتقليل الضغوط على المستهلكين.
غير أن وزارة المالية أعلنت إلغاء هذا النظام، واعتماد سعر الصرف الرسمي البالغ نحو 6.40 دنانير للدولار، في إطار ما وصفته بخطة لإصلاح سياسات التقييم الجمركي وتوحيد آليات احتساب قيمة السلع المستوردة.
وترى الوزارة أن القرار سيسهم في الحد من التشوهات السعرية، وتعزيز الشفافية، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات العامة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية.
تحول في آلية التسعير
الدولار الجمركي هو السعر الذي تعتمد عليه السلطات في احتساب الرسوم على السلع المستوردة، وكان في ليبيا أقل من سعر السوق، ما خفّف نسبياً من تكلفة الواردات، غير أن إلغاءه يعني عملياً احتساب الرسوم وفق سعر الصرف الفعلي، وهو ما يرفع تلقائياً التكلفة على المستوردين.
ويرى مراقبون أن هذا التحول سينعكس مباشرة على أسعار السلع في السوق المحلية، في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بشكل كبير على الاستيراد، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم.
قفزة في التكاليف.. من يتحملها؟
ويرى رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار سابقاً، محسن دريجة، أن القرار سيرفع قيمة الدولار المعتمد في الجمارك بنحو 4 دنانير، أي بنسبة تفوق 100% مقارنة بالسعر السابق، ما يعني قفزة كبيرة في تكلفة الاستيراد.
مخاوف من صدمة سعرية
في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي علي الشريف أن توقيت القرار غير مناسب، مشيراً إلى أن سوق الصرف شديد الحساسية لمثل هذه الإجراءات.
وقال في منشور له، إن من الأفضل تأجيل الخطوة إلى حين استقرار السوق، محذراً من أن غياب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
صدمة بدل الاحتواء
من جهته، وصف المحلل الاقتصادي عبدالحميد الفضيل القرار، بأنه إجراء عكسي في ظل بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من تضخم مرتفع وارتفاع تكاليف الشحن عالمياً، لافتاً إلى أن إلغاء السعر الجمركي المدعوم يمثل “قفزة مفاجئة” قد تصل إلى أكثر من 200% في تكلفة التقييم الجمركي.
وأضاف، في منشور له، أن السياسات الاقتصادية يُفترض أن تمتص الصدمات لا أن تولدها، منتقداً توجه وزارة المالية نحو زيادة الإيرادات عبر الجمارك بدلاً من إصلاح مصادر هدر أخرى، مثل ضعف جباية المحروقات.
تضاعف الرسم مرتين ونصف
وفي السياق ذاته، قال عضو مجلس الإدارة السابق بمصرف ليبيا المركزي، مراجع غيث، في تصريح صحفي، إن الضريبة الجمركية يُفترض أن تكون أداة لحماية المستهلك وتخفيف الأعباء عنه، لا وسيلة لتمويل الخزانة العامة.
وأوضح أن احتساب الدولار الجمركي كان يتم سابقاً عند مستوى 2.5 دينار، بينما سيُعتمد بعد إلغاء القرار على السعر الرسمي البالغ نحو 6.40 دنانير للدولار، ما يعني – بحسب تقديره – تضاعف قيمة الرسوم الجمركية بنحو مرتين ونصف، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع ويتحمله المواطن.
زيادة تكلفة السلع المستوردة بنسبة 3.33%
وقال رجل الأعمال حسني بي في تصريح للرائد إن قرار وزير المالية بتعديل سعر الدولار الجمركي من 2.12 دينار إلى السعر الرسمي البالغ 6.40 دنانير يعكس توجهًا واضحًا نحو زيادة الإيرادات العامة في ظل التحديات الاقتصادية المحلية والتقلبات العالمية المتسارعة، موضحًا أن رفع سعر الدولار الجمركي سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة بنسبة 3.33%، وهو ما سينعكس مباشرة على الأسعار في السوق المحلي ويزيد من الأعباء المعيشية على المواطن، خاصة في المدى القصير.
وأضاف أن الخيار الاستراتيجي الأمثل يتمثل في التوجه نحو إقرار ليبيا منطقةً حرةً شاملة، عبر إلغاء النظام الجمركي التقليدي والضرائب المباشرة واستبدالهما بمنظومة رسوم حديثة وشفافة، مشيرًا إلى أن هذا النموذج أثبت نجاحه في تجارب دولية رائدة مثل الإمارات، حيث يقوم على تحفيز التجارة والاستثمار بدلًا من تقييدهما.
وأوضح أن اعتماد ليبيا كمنطقة حرة يعني إلغاء الرسوم الجمركية والضرائب التقليدية، مقابل تطبيق نظام رسوم مبسطة على الخدمات التي تقدمها الدولة للأفراد والشركات، مع فرض رسوم واضحة وقابلة للقياس على حركة السلع، وهو ما من شأنه خلق بيئة جاذبة للاستثمار وتعزيز موقع البلاد كمركز إقليمي للتبادل التجاري.
وأكد حسني بي أن هذا التوجه لا يسهم فقط في زيادة الإيرادات بشكل أكثر كفاءة واستدامة، بل يحد أيضًا من الفساد ويقلل فرص التلاعب، نظرًا لبساطة وشفافية آليات التحصيل، لافتًا إلى أن الانتقال إلى هذا النموذج يتطلب إرادة سياسية قوية وإصلاحات مؤسسية عميقة، لكنه يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس حديثة تحقق مصلحة الدولة والمواطن.
انعكاسات مباشرة على المستهلك
بدوره، حذر المحلل الاقتصادي أحمد الخميسي من أن القرار، رغم قدرته النظرية على تعزيز الإيرادات، قد يؤدي عملياً إلى تحميل التكلفة على المستهلك النهائي، خاصة في ظل غياب رقابة فعالة على الأسواق.
وفي قراءة مبسطة، يرى المدون رامي بن عاشور أن القرار يعني انتهاء العمل بسعر مخفّض كان يمنح المستوردين ميزة نسبية، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وبالتالي زيادة أسعار السلع، لتنعكس الأعباء بشكل مباشر على المواطنين.
وكتب عضو ملتقى الحوار السياسي، عبد الرحيم الشيباني، معلقاً على القرار: “خروج ضريبة الاستهلاك من الباب، ودخول الرسوم الجمركية من الشباك، والمواطن يدفع فواتير العجز المالي”، في إشارة إلى إيقاف قرار سابق لمجلس النواب بخصوص فرض ضريبة استهلاك على السلع الموردة.
بين الإصلاح والواقع الاقتصادي
ورغم تأكيد وزارة المالية أن القرار يتماشى مع تطورات سعر الصرف ويهدف إلى تحقيق استقرار مالي، فإن خبراء يرون أن الإصلاحات المالية تحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة وأدوات رقابية فعالة لضمان عدم انتقال آثارها السلبية إلى المستهلك.
كما يشير البعض إلى أن توحيد أسعار التقييم الجمركي قد يكون خطوة صحيحة من حيث المبدأ، لكنه يتطلب تطبيقاً تدريجياً وتنسيقاً وثيقاً مع السياسات النقدية، لتفادي تقلبات حادة في السوق.
وتبقى التساؤلات مفتوحة في ظل هذه المعطيات، منها: هل كان توقيت إلغاء الدولار الجمركي مناسباً في ظل هشاشة سوق الصرف؟ وهل تمت دراسة الأثر التضخمي المحتمل على أسعار السلع الأساسية؟

