in

تقييم قرار تعديل الدولار الجمركي ومواءمته مع سعر الصرف الرسمي

في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، يثير قرار وزير المالية القاضي بتخفيض سعر الدولار الجمركي ومواءمته مع سعر الصرف الرسمي جملة من التداعيات المحتملة في المدى القصير، خصوصًا على مستوى الأسعار والاستقرار النقدي، ما يستدعي تقييمًا دقيقًا يتجاوز الطابع النظري للإجراء.

أولاً: الآثار السلبية قصيرة الأجل:
من المرجح أن يؤدي القرار إلى موجة تضخمية مؤقتة، نتيجة انتقال أثر رفع التكلفة الجمركية بسرعة إلى أسعار السلع، في ظل بيئة تتسم بضعف المنافسة وغياب الرقابة الفعالة. كما أن سلوك السوق المحلي يتسم بما يمكن تسميته باللزوجة السعرية، حيث تستجيب الأسعار سريعًا للارتفاع، لكنها تتباطأ في الانخفاض عند تراجع التكاليف.

إضافة إلى ذلك، قد يدفع القرار إلى زيادة الطلب التحوطي على النقد الأجنبي، في ظل توقعات بارتفاع الأسعار، وهو ما قد ينعكس سلبًا على استقرار سعر الصرف في السوق الموازي خلال الفترة الانتقالية، وما نشهده اليوم من عودة ارتفاع طفيف في سعر الصرف في السوق الموازي قد يكون ناتجًا عن هذه النقطة أو ناتجًا عن عملية تصحيح كما هو معروف في أسواق العملات.

ثانياً: الأثر على المواطن ومستوى المعيشة:
رغم ما قد يوحي به التحليل المحاسبي من حيادية الأثر، بمعنى إلغاء الضريبة على النقد ورفعها من جهة الدولار الجمركي، أي نتيجة صفرية على المواطن، فإن الواقع يشير إلى أن المواطن سيكون الطرف الأكثر تأثرًا. فالزيادات في التكاليف تنعكس بسرعة على الأسعار، في حين لا تُترجم أي انخفاضات محتملة بنفس الوتيرة. كما أن هيمنة عدد محدود من كبار المستوردين (احتكار القلة) تعزز من قدرتهم على تمرير التكاليف دون ضغوط تنافسية كافية. وعليه، يُرجّح أن يتحمل المواطن عبئًا صافيًا خلال الفترة الأولى من تطبيق القرار.

ثالثاً: إشكالية التوقيت والفجوة الزمنية
تتفاقم هذه الآثار السلبية بسبب الفجوة الزمنية بين تطبيق القرار وظهور نتائجه الإيجابية المحتملة. فالاقتصاد يعمل وفق دورات زمنية مرتبطة بالاستيراد والمخزون، تتراوح عادة بين 3 إلى 6 أشهر، وقد تمتد إلى عام كامل. وخلال هذه الفترة، قد تتراكم الضغوط التضخمية دون وجود أثر معاكس يخفف منها.

رابعاً: العلاقة بالسوق الموازي للنقد الأجنبي
في المدى القصير، قد يؤدي القرار إلى زيادة الضغط على السوق الموازي نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، سواء لأغراض الاستيراد أو التحوط. أما في المدى المتوسط، فقد يساهم توحيد السعر في تقليص الفجوة، لكن ذلك يظل مرهونًا بقدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة وضبط الطلب على النقد الأجنبي بفعالية، وكذلك يعتمد على العوامل الأخرى مثل: هل ستكون هناك ميزانية واحدة في حدود الإيرادات؟ وهل يلتزم الجميع بها؟

خامساً: اتساق السياسات الاقتصادية (البعد الإيجابي النظري)
على الرغم من هذه التداعيات، يحمل القرار جانبًا إيجابيًا من حيث اتساق السياسات، إذ يسهم في توحيد الإشارات السعرية داخل الاقتصاد، والحد من التشوهات الناتجة عن تعدد أسعار الصرف. غير أن هذا الاتساق يظل مشروطًا باستمرار استقرار سعر الصرف، ونجاح السياسة النقدية في إدارة السوق دون استنزاف الاحتياطيات.

سادساً: الأثر على المالية العامة
قد يؤدي توحيد سعر الدولار الجمركي إلى زيادة اسمية في الإيرادات الجمركية، إلا أن هذا الأثر يظل غير مضمون، إذ قد يقابله تراجع في حجم الواردات أو توسع في التهرب الجمركي، في ظل تحديات الرقابة. وبالتالي، فإن الأثر الصافي على المالية العامة يعتمد على كفاءة الإدارة الجمركية وقدرتها على ضبط المنافذ.

الخلاصة
ينطوي القرار على منطق إصلاحي من حيث المبدأ، إلا أن كلفته قصيرة الأجل تبدو مرتفعة في ظل الظروف الحالية. وفي غياب سياسات مرافقة فعالة، يُرجّح أن يتحمل المواطن العبء الأكبر خلال الفترة الانتقالية، وقد تتفاقم الضغوط على السوق الموازي. وعليه، فإن نجاح القرار لا يعتمد على مضمونه فقط، بل على توقيته، وآليات تنفيذه، ومدى تكامله مع حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

اقتصاديون: إلغاء الدولار الجمركي قرار صادم يهدد بارتفاع الأسعار وتفاقم الأعباء المعيشية

هيئة تنمية الصـادرات: ليبيا تعتـمد على واردات القـمح والحبوب من روسيا بنسبة تصل إلى 80%