إنّ الفتوى الصادرة مؤخراً بخصوص جواز زيادة السعر عند البيع بالبطاقة المصرفية، وإن استندت إلى تأصيل فقهي نظري، إلا أن تنزيلها على الواقع المعاش قد أوجد شرخاً كبيراً بين مقاصد الشريعة في حماية المستهلك وبين ممارسات السوق.
والخلل الجوهري فيها يكمن في تحول “الرخصة” المبنية على عذر مؤقت إلى “قاعدة” عامة يستغلها التجار..
ويمكن حصر مكامن هذا الخلل في النقاط التالية:
1. غياب الرقابة على “شرط السيولة”
جعلت الفتوى جواز الزيادة مشروطاً بعدم توفر السيولة للتاجر من قبل المصرف.
لكن في الواقع، المشتري لا يملك أدنى وسيلة للتحقق مما إذا كان التاجر قادراً على سحب أمواله أم لا.
هذا سيؤدى إلى جعل “الاستثناء قاعدة”، فجُلّ التجار سيزيدون في السعر تلقائياً بمجرد رؤية البطاقة، سواء كانوا بحاجة فعليّة للنقد أم لا.
فالخلل هنا هو فتح الباب على مصراعيه دون ضابط؛ فالمشتري لا يملك “سلطة التحقق” من حاجة التاجر للنقد، مما يسمح لكل بائع -سواء كان يحتاج للسيولة أو يدير صفقاته عبر التحويلات- أن يفرض “ضريبة تدين” زائفة على كل من يحمل بطاقة مصرفية، وهذا عين الغبن الفاحش..
2. فتح باب “التربح” من الوسيلة لا السلعة
الأصل في التجارة أن يكون الربح في عين السلعة وقيمتها. لكن هذه الفتوى، بتطبيقاتها الحالية، جعلت “طريقة الدفع” في حد ذاتها مجالاً للربح والمساومة. فالبائع لا يكتفي بربحه المشروع في السلعة، بل يضيف ربحاً آخر على “عملية الدفع الإلكتروني”، وهو ما يرهق كاهل المستهلك ويحمله ما لا يطيق.
3. “الجهالة” في تقدير الزيادة
لم تضع الفتوى سقفاً لنسبة الزيادة، مما ترك الأمر لتقدير التجار وأهوائهم.
وهذا بلا شك سيوجد تفاوتاً كبيراً وغير مبرر في الأسعار، وسيخلق حالة من الفوضى السعرية في السوق؛ حيث قد تصل الزيادة إلى نسب مئوية عالية جداً لا تتناسب إطلاقاً مع تكلفة “انتظار السيولة” أو العمولات المصرفية.
4. إضعاف سياسة “التحول الرقمي”
من الناحية الاقتصادية، عندما يُعاقب المشتري (بزيادة السعر) لمجرد استخدامه البطاقة، فإنه سيهرب حتماً من الدفع الإلكتروني ويعود للبحث عن النقد المفقود.
هذا الخلل سيفرغ منظومة الدفع الإلكتروني من محتواها، وبدلاً من أن تكون حلاً لأزمة السيولة، ستتحول بفضل هذا التطبيق إلى عبء إضافي..
فمن الناحية المقاصدية، الفتوى التي تؤدي إلى هروب الناس من “النظام الإلكتروني” والعودة للتزاحم على المصارف طلباً للكاش هي فتوى “تضاد المصلحة”.
فبدلاً من أن تكون البطاقة حلاً للأزمة، أصبحت “عبئاً مالياً” يعاقب عليه المستهلك، وهذا لا يلائم روح الشريعة التي جاءت لتيسير المعاملات لا لتعقيدها وصرف الناس عنها.
5. تضارب المصالح وغياب الشفافية
كثير من التجار قد لا يحتاجون للنقد فعلياً (لأن دورتهم المالية مع تجار الجملة والموردين تتم عبر التحويلات أيضاً)، ومع ذلك يطالبون بالزيادة بحجة “أزمة السيولة”. وهنا يتحول الأمر من “تعويض عن ضرر مفترض” إلى “استغلال صريح للأزمة”.
فالتاجر الذي يشتري بضاعته بالجملة عبر المصرف، ثم يطلب زيادة 10% أو أكثر من الزبون عند الدفع بالبطاقة، لا يطلب “تعويضاً عن ضرر”، بل يمارس “جباية غير مشروعة” بغطاء شرعي، مستغلاً عجز الدولة عن توفير البدائل.
…..
من المسؤول عن معالجة هذا الخلل؟
الفتوى في نصها الأخير ألقت بالمسؤولية على المصارف لتوفير السيولة ومنع العمولات، ولكن عملياً، وطالما أن النظام المصرفي لم يصل لمرحلة الكفاءة الكاملة، سيبقى هذا “الثقب” في الفتوى منفذاً لزيادة الأسعار وغطاءً لنهش جيب المواطن. فسوقنا اليوم يحتاج إلى حماية المشتري من “تغوّل” البائع، لا إلى فتح منافذ شرعية لزيادة الأسعار تحت مسميات فقهية ستُستخدم في غير موضعها.
…
ثانياً: تعليق على منشور قناة “التناصح” (الاختزال المخل)
نشرت قناة التناصح خبراً عاجلاً مفاده: “دار الإفتاء: يجوز للتاجر زيادة السعر عند البيع بالبطاقة المصرفية، ولا يحق لمصدر البطاقة أن يشترط عدم الزيادة ما دام لا يوفر للتاجر السيولة عندما يطلبها”.
وعند تحويل فتوى تفصيلية بضوابط دقيقة إلى منشور مختزل بهذه الصياغة، تظهر عدة إشكالات تزيد من الخلل الواقع في السوق:
1- إبراز “الجواز” وتغييب “العذر”:
ركز المنشور في العنوان العريض على “يجوز للتاجر زيادة السعر”، وهو ما يلتقطه التاجر فوراً لشرعنة الزيادة.
بينما الجواز هنا هو “رخصة لضرورة” وليس حكماً أصلياً، فالصياغة المختصرة جعلت الاستثناء يبدو وكأنه حق مطلق للتاجر.
2- قلب ميزان القوى لصالح التاجر:
العبارة التي تقول “ولا يحق لمصدر البطاقة أن يشترط عدم الزيادة” تعطي حصانة قانونية وأخلاقية للتاجر، مما يؤدي عملياً لإضعاف موقف الزبون المحتج، وتقييد يد الجهات الرقابية (كالحرس البلدي) عن معاقبة من يرفعون الأسعار؛ لأنهم سيتحججون بهذا المنشور الديني الرسمي!
3- ضبابية شرط “توفير السيولة”:
وضع المنشور الشرط في النهاية دون توضيح المعيار أو من يحدده. وفي ظل هذا الغموض، يكفي أن يدّعي التاجر عدم توفر الكاش ليفرض الزيادة التي يراها مناسبة، حتى لو كان يدفع لمورديه عبر التحويل المصرفي ولا يحتاج للسيولة فعلياً.
4- غياب التوجيه الأخلاقي:
الفتوى الأصلية تضمنت تحذيراً من “الغبن” و”الاحتيال المعلن”، لكن المنشور جاء جافاً من أي نصيحة للتاجر بعدم استغلال حاجة الناس.
5- التأثير النفسي على السوق:
مثل هذه المنشورات تعمل كضوء أخضر لرفع الأسعار في كافة المجالات، مما يشعر المستهلك بالإحباط من المنظومة المصرفية والدينية معاً، لكونها تظهر كمن يشرعن معاناته بدلاً من حمايته من استغلال التجار!!
وبناء على ما ذكر آنفا :
فإننا نرفع توصية إلى دار الإفتاء الموقّرة بضرورة مراجعة هذه الفتوى، ليس من باب التشكيك في أصلها الفقهي، بل من باب سد الذرائع وضبط المقاصد. فإن مقتضى المصلحة العامة يوجب تقييد هذا الجواز بضوابط صارمة، أو حتى تعليقه مؤقتاً إلى حين انتظام المنظومة المصرفية، وذلك منعاً لاستغلال (الدين) في شرعنة الجشع، وحمايةً للمواطن الذي بات يُعاقب مالياً لمجرد استخدامه لوسائل الدفع الحديثة.
فالفتوى التي لا تحمي الضعيف من تغوّل القوي، ولا تضبط فوضى الأسواق بحدود الورع والعدل، تحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة تضع مقاصد الشريعة فوق حرفية التكييف.
والله الموفق..
وكتبه / د. أحمد توفيق يعقوب .. أستاذ الفقه وأصوله بجامعة طرابلس..
١٣ شوال ١٤٤٧ هجري.
….
إضافة مهمة ينبغي أن تدرس :
إنَّ الارتكاز الفقهي الذي قامت عليه الفتوى في إجازة الزيادة بناءً على قياس البيع بالبطاقة على (بيع الأجل) هو قياسٌ مع الفارق، لا يصح في رأيي، ويفتقر لشرط (اتحاد العلة)؛ ففي بيع الأجل (النسيئة) يتأخر خروج الثمن من ذمة المشتري، فيكون الزمن جزءاً من الثمن تعويضاً للبائع عن حبس ماله.
أما في واقع المعاملة الإلكترونية، فإنَّ الثمن يُخصم من حساب المشتري فوراً وقطعاً، وتبرأ ذمته من الحق بمجرد (القبض الحكمي) للمصرف.
والقبض عن طريق البطاقة -كما قررت الفتاوى السابقة وقواعد المجامع الفقهية- هو في حكم قبض النقد عرفاً وقانوناً.
وعليه، فإنَّ تأخر وصول (النقد الورقي) إلى يد التاجر ليس سببه تأخر المشتري في الأداء حتى يجعل بيعا آجلا، بل هو عجزٌ طرأ في علاقة التاجر بمصرفه، ولا ولاية للمشتري على هذا العجز ولا يد له فيه.
وتضمينُ المشتري ضريبة (الأجل) وهو مؤدٍ لثمنه حالاً، يُعدُّ من باب (تغريم البريء) وإلزام المستحق بغير ما استحق عليه، وهو ما يؤول فقهياً إلى شبهة (الزيادة في الثمن بلا مقابل)، بل إنَّ إباحة الزيادة هنا قد تجعل المعاملة أقرب لصور (صرف النقد بالرقم بزيادة)، وهو منزلقٌ خطير يجب سدُّ ذريعته؛ إذ لا يجوز جعل (صعوبة التسييل) علةً شرعية لإضافة قيم مادية على أصل السلعة المبيعة نقداً، مما ينفي عن المعاملة صفة (الأجل) الحقيقي ويجعلها في دائرة الاستغلال المحض لواقعٍ مأزوم.
تعليق على فتوى دار الإفتاء حول البيع بالبطاقة المصرفية

