لن أناقش هنا فحوى مسودة التقرير المسربة حيث تناولها الكثير من الأخوة المحترمين بتحليل مضامين الشواهد التي أوردها التقرير. أود فقط التركيز على مغزى التسريب لأنني أعتقد أن التسريب في حد ذاته يحمل رسائل معينة على الرأي العام في ليبيا أن ينتبه لها.
وبينما قد يعتقد من كتب التقرير أو سربه أن محتوياته كانت غائبة عن الرأي العام الليبي، ألا أنه بالقطع سيكون مخطئا لأن نفس القصص يتم تناولها بدرجات أكثر وضوحا في أحيان كثيرة على وسائل الاتصال الاجتماعي، ألا أن خيبة أمل الكثير ستنحصر في أن التقرير لم يوفر غطاء سياسي لطرف دون الآخر، مما جعل الكثير يلجؤون إلى تجزئة المحتويات بما يناسب أهدافهم السياسية.
فالتسريبات في الملفات الدولية الحساسة لا تُقرأ باعتبارها حوادث عرضية كما علمنا التاريخ من تكرار لهذه الحادثة، بل بوصفها رسائل محسوبة التوقيت والدلالة، حيث تم اتخاذ سياسات بناء على الانحرافات التي تسبب بها التسريب. وعندما يتعلق الأمر بوثيقة صادرة عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة وموجهة إلى مجلس الأمن الدولي، فإن التسريب يكتسب معنى يتجاوز مضمون الوثيقة نفسها، ليصبح جزءًا من الفعل السياسي الخارجي لا مجرد انعكاس له.
في هذه الحالة، لا يبدو أن التسريب يستهدف إبلاغ الرأي العام الدولي بقدر ما يسعى إلى التأثير عليه، أو بالأحرى توجيه النقاش الدولي قبل أن يُحسم داخل القنوات الرسمية. فالمسودات في مثل هذه السياقات لا تُسرّب عبثًا، بل تُستخدم كأداة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الغرفة المغلقة.
أول ما يكشفه هذا التسريب هو أن مرحلة “جمع المعلومات” قد انتهت، وأننا أمام انتقال إلى مرحلة “توظيف المعلومات”. فالتقارير الفنية حين تغادر سريتها قبل اعتمادها، تتحول من أدوات تحليل إلى أدوات ضغط. وبذلك، يصبح السؤال الأهم ليس: ماذا ورد في التقرير؟ بل: لماذا خرج الآن، ولصالح من؟
التوقيت هنا يحمل دلالة مركزية. فالتسريب عادة ما يسبق لحظات مفصلية: إما مراجعة لنظام العقوبات، أو نقاش حول توسيعه، أو حتى إعادة تعريف طبيعة الأزمة نفسها. ومن ثم، فإن إخراج الوثيقة إلى العلن قبل اعتمادها يشير إلى محاولة التأثير على هذه اللحظة، سواء بتثبيت سردية معينة أو بمنع تعديلها لاحقًا.
كما أن طبيعة التسريب – من حيث الشمول والتركيز – توحي بأنه ليس انتقائيًا بالكامل ولا عشوائيًا بالكامل. فهو لا يستهدف طرفًا واحدًا بشكل صريح، بل يخلق انطباعًا عامًا بأن المشهد بأكمله يعاني من خلل بنيوي. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن تعميم الإشكال غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة سياسية محددة: نزع الشرعية عن الجميع، وفتح الباب أمام مقاربات جديدة قد لا تكون ممكنة في ظل وجود طرف يُنظر إليه كـ”شريك صالح”.
بهذا المعنى، يصبح التسريب أداة لإعادة صياغة الإطار الذهني الذي تُناقش من خلاله الأزمة. فبدل النظر إليها كصراع بين أطراف متنافسة داخل دولة، يتم تقديمها كمنظومة متكاملة من الاختلال، وهو توصيف يحمل في طياته تبريرًا ضمنيًا لخيارات أكثر صرامة على المستوى الدولي.
ومن زاوية أخرى، يعكس التسريب وجود تباين – وربما صراع – داخل مجلس الأمن الدولي نفسه. فالتقارير من هذا النوع تمر عادة بمراحل مراجعة وتوازنات دقيقة، وأي إخلال بسرّيتها يشير إلى أن هناك طرفًا غير راضٍ عن المسار المتوقع، فيلجأ إلى تسريبها كوسيلة للتأثير على مآلاتها. ولا يمكن أغفال هنا أن المجتمع الدولي هو أساسا من خلق البيئة السياسية الحالية عبر مراعاة توازنات أتصلت بمصالح الأطراف الخارجية وليس وفقا للمصالح الوطنية الليبية.
ولا يجب أن يغيب عنا أن التسريب قد يأتي من لجنة الخبراء أنفسهم أو أعضاء معينين منها أما بدافع أخلاقي حين يتصور بعضهم أن المصالح السياسية الكبرى للدول الأعضاء في مجلس الأمن تود إخفاء أجزاء من الحقيقة التي يتوقعون أنهم توصلوا إليها، أو ربما لمصالح شخصية لعضو أو عدد من الأعضاء، ما يدعوني لهذا الافتراض أن التسريبات أتت عبر منصات تواصل اجتماعي شخصية محددة معروفة بمحاربة الفساد في ليبيا حتى أن المنصات الإعلامية والصحفية المعروفة لم تصل إليها، بل أعادت نشرها.
ولا يمكن إغفال أن التسريب، في حد ذاته، يعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين. فبمجرد خروج الوثيقة إلى العلن، تتحول من مادة تفاوض مغلقة إلى قضية رأي عام، ما يقيّد هامش المناورة لدى بعض الأطراف، ويمنح أطرافًا أخرى أفضلية نسبية في إدارة السردية. وبدون شك فأن التقاطعات الدولية والمحلية في هذا التوقيت الذي تنفجر فيه أزمة طاقة عالمية ستكون حادة وربما مؤلمة في عالم لا تسود فيه الاخلاق الاقتصادية بقدر ما تسود فيه القرصنة الاقتصادية للفرص الرخوة.
في النهاية، قد لا يكون أهم ما في هذا التسريب هو ما طرحه من معلومات كانت متداولة بشكل كبير في سياقات غير رسمية، بل ما كشفه من نوايا للأطراف التي قامت بتسريبه. فهو يشير إلى أن الملف الليبي يعاد تقديمه بنفس طريقة الأمم المتحدة القديمة، ولكن بثوب جديد، لم يعد فيها الوقائع وحدها هي محل التنافس، بل طريقة عرضها وتوقيتها أيضًا.
وهنا تحديدًا، يصبح التسريب رسالة بحد ذاته: أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على تفسير ما يحدث فوقها، وهو أمر أعتبره خطير لأنه يثير النزاع ويستحث الأطراف على تبرئة نفسها بمزيد من الأكاذيب والوعود التي لن تنتج سوى المزيد من الهدر في ظل نظام دولي لا يهدف إلى إحلال الاستقرار في ليبيا بقدر ما يهدف إلى تحقيق مصالح متعارضة.

