في كل مرة ترتفع فيها أسعار النفط عالميًا، يتجدد السؤال داخل ليبيا: أين تذهب هذه الفرصة؟ فبلد يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، يُفترض أن يكون من أبرز المستفيدين من الطفرات السعرية، إلا أن الواقع يعكس صورة مختلفة؛ حيث لا ينعكس هذا الارتفاع بشكل ملموس على الاقتصاد أو معيشة المواطن. هذه المفارقة لا ترتبط بالسوق العالمية بقدر ما ترتبط بعمق الاختلالات الداخلية في إدارة القطاعين النفطي والمالي.
أول هذه الاختلالات يتمثل في الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، وهو العامل الأكثر تأثيرًا. فغياب سلطة موحدة ينعكس مباشرة على تأخر التعاقدات، وتعطيل قرارات التشغيل والاستثمار، وتضارب الصلاحيات بين المؤسسات. وبدل أن يُدار النفط كقطاع اقتصادي استراتيجي، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة ضمن التجاذبات السياسية.
إلى جانب ذلك، تعاني ليبيا من إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، سواء لأسباب أمنية أو سياسية، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من الإنتاج ويقوض الاستفادة من فترات ارتفاع الأسعار. هذه الإغلاقات لا تقتصر آثارها على الخسائر الآنية، بل تمتد لتتسبب في تدهور البنية التحتية نتيجة التوقفات المتكررة، ما يرفع كلفة إعادة التشغيل ويقلل الكفاءة على المدى الطويل.
كما أن ضعف الحوكمة والإدارة يمثل عائقًا رئيسيًا أمام تحويل الإيرادات النفطية إلى مشاريع تنموية حقيقية. فغياب التخطيط الفعّال والمتابعة الدقيقة يؤدي إلى توجيه الموارد بشكل غير كفء، في حين يساهم الفساد وضعف الرقابة في تسرب جزء من هذه العوائد أو سوء استخدامها، ما يقلل من أثرها الاقتصادي.
ولا يمكن إغفال العامل الفني، حيث تعاني البنية التحتية النفطية من تهالك واضح نتيجة نقص الصيانة والاستثمارات. هذا الواقع يحدّ من القدرة الإنتاجية والتصديرية، ويجعل ليبيا غير قادرة على زيادة إنتاجها بسرعة عندما تكون الأسعار في ذروتها، فتفقد فرصة تعظيم العائد.
في الجانب المالي، تظهر مؤشرات على اضطراب في تحويل إيرادات النفط إلى المصرف المركزي، سواء بسبب تأخر التحويلات أو تباين الأرقام بين الجهات المختلفة. هذه الاضطرابات تؤدي إلى ضعف السيولة، وتؤثر على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، مثل المرتبات والدعم والخدمات، ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كل هذه العوامل مجتمعة تؤكد أن المشكلة في ليبيا ليست في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها. فارتفاع أسعار النفط، رغم أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى مكاسب حقيقية دون استقرار سياسي يضمن استمرارية الإنتاج، وإدارة كفؤة تعزز الشفافية، ومنظومة مالية واضحة تضمن توجيه الإيرادات نحو التنمية.
إن تحقيق الاستفادة الفعلية من الموارد النفطية في ليبيا يتطلب ما هو أكثر من تحسن في الأسعار العالمية؛ إذ يتطلب إصلاحًا جذريًا في بنية الإدارة والحوكمة. فتوحيد المؤسسات، وتحييد القطاع النفطي عن الصراع، وتعزيز الشفافية، وضمان استقرار التشغيل، كلها خطوات أساسية لتحويل النفط من مصدر أزمات إلى رافعة للتنمية. دون ذلك، ستظل كل موجة ارتفاع في الأسعار مجرد فرصة ضائعة تتكرر في كل مرة.


