Menu
in

بين تبريرات الدبيبة وارتفاع الدولار المتواصل.. ما الأسباب والحلول للأزمة المالية؟

في وقت تتبادل فيه الحكومات الاتهامات وتتعهد السلطة النقدية بتحسين الأوضاع، يواصل سعر صرف الدولار في السوق الموازية ارتفاعه إلى مستويات غير مسبوقة متجاوزًا 10.80 دنانير، الأسبوع الماضي قبل أن يعود نهاية الأسبوع إلى 10 دنانير ما يثير تساؤلات ملحّة حول الأسباب الحقيقية للأزمة، رغم الإجراءات التي أعلنها المركزي لضخ العملة الأجنبية وتخفيف الضغط على السوق.

ضخ دون كبح

وفي محاولة لتوفير العملة الصعبة، أعلن المركزي موافقته على بيع كافة المبالغ المحجوزة عبر منظومة الأغراض الشخصية، التي تتجاوز 600 مليون دولار، كما بدأ إرسال رسائل نصية للمواطنين الذين حجزوا مبلغ 2000 دولار لاختيار شركات الصرافة تمهيدًا لتنفيذ الطلبات وخصم قيمة الشحن.

ورغم هذه الخطوات، لا يزال سعر الدولار في السوق الموازية مستقراً عند مستويات مرتفعة تقارب 10.5 دنانير، ما يعكس أن الأزمة أعمق من مجرد نقص مؤقت في المعروض من النقد الأجنبي.

تقاذف التهم

رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، أرجع ارتفاع سعر الصرف إلى ما وصفه بالإنفاق الموازي، مشيرًا إلى أن صرف نحو 70 مليار دينار خلال عام واحد أعاد ضخ الكتلة النقدية في السوق وخلق طلبًا إضافيًا على الدولار يتجاوز 10 مليارات دولار.

وأكد أن أي إجراء نقدي لن ينجح بمفرده في ظل توسّع الإنفاق، داعيًا إلى ضبط المصروفات والالتزام بالاتفاق التنموي الموحد وفق القدرة المالية للدولة، بدل التوسع في الصرف خارج إطار الميزانية.

في المقابل، أرجع رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد تفاقم الدين العام إلى سنوات من العمل دون ميزانية عامة والاعتماد على ترتيبات مالية مؤقتة.

وأشار إلى أن استمرار الصرف وفق آلية (1/12) ساهم في تضخم الدين العام، لافتًا إلى أن مصروفات حكومة الوحدة خلال خمسة أعوام تجاوزت 826 مليار دينار، منها 599 مليارًا للأبواب الثلاثة الأولى، إضافة إلى 35 مليار دولار ضمن بند مبادلة المحروقات.

مضاربات منظمة

رجل الأعمال حسني بي يرى أن ارتفاع الدولار ليس أزمة عرض مؤقتة، بل نتيجة اختلالات هيكلية متراكمة، أبرزها:
الإنفاق العام المنفلت وتمويل العجز نقديًا و اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي
وقال في تصريح للرائد إن الدولار تحول إلى أداة مضاربة بعوائد قد تصل إلى 70% مضيفا أن آلية الأغراض الشخصية (2000 دولار) تحولت من أداة تنظيم إلى قناة مضاربة تساهم بنحو 30% من الفجوة السعرية، إلى جانب استنزاف دعم المحروقات للعملة الصعبة.

‏ ‏وقف التمويل بالعجز ‏

وبين حسني  بي أن المعالجة تتطلب وقف التمويل بالعجز، وتقليص الفجوة السعرية، وضبط الإنفاق العام بتنسيق مالي–نقدي فعلي، مشدد على أن الاستقرار الحقيقي مرهون بميزانية منضبطة، وإصلاح دعم المحروقات، وإغلاق قنوات المضاربة، وتوحيد السياسة المالية والنقدية — وإلا سيبقى أي تحسن مؤقتاً.

تنصل وتبرير ‏
وفي سياق متصل، أصدر الحزب الديمقرطي بيانا حول الأزمة ذكّر فيه أنه حذر سابقا من الوصول إلى هذه الأوضاع الاقتصادية، التي جاءت بحسب البيان نتيجة سياسات انتهجتها حكومة الوحدة في إهدار المال العام والتوسع في الإنفاق. ‏

‏ واستغرب الحزب، في بيان له، من تنصّل حكومة الوحدة من المسؤولية ومحاولتها حصر المشكلة وتبرير هذا الوضع الكارثي بالإنفاق الموازي وحده، الذي يعتبر جزءاً من المشكلة أيضًا لكنّه ليس سببها الوحيد. ‏

وأكد الحزب أن هذه الأوضاع الكارثية للدينار والاقتصاد الوطني، ليست وليدة اللحظة، بل هي حصاد خمس سنوات من إجراءات وسياسات عبثية زادت الضغط على الدينار، وورطت الدولة في التزامات لا تتحملها موازنتها العامة.

إنفاق دون ميزانية

‏وأشار الحزب إلى أن الانهيار بدأ بالإنفاق دون ميزانية أو ما عرف بالإنفاق وفق (1/ 12)، ومن أمثلة الإنفاق العبثي: مليارات زواج الشباب، وزيادة الرواتب، والتوسع في التوظيف في القطاع العام وفي البعثات الدبلوماسية بشكل غير مدروس.

ولفت إلى أن بند المرتبات ارتفع من 33 مليار دينار إلى أكثر 67 مليارا، مشيرا إلى أن الحكومة أصرت على نظام المبادلة في المحروقات، وزادت توريدها بنسبة 87% قافزةً من 5.5 ملايين طن إلى 10.35 ملايين سنويا دون مبرر.

أركنو
وتايع أن قطاع النفط ابتلع أكثر من 50 مليار دينار ميزانية استثنائية للتطوير دون أي نتائج، مع تراجع الإيرادات في ظل كارثة شركة “أركنو” التي تقتطع حصة غير معلومة من إنتاجه تُقسّم بين الطرفين شرقا وغربا خارج الإطار الرسمي.

نفقات غير معلنة

وأوضح الحزب أن الإنفاق الموازي استفاد من الصفقات غير المعلنة والتفاهمات خارج المؤسسات الرسمية، وأبرزها صفقة تكليف رئيس مؤسسة للنفط في 2022 وما ترتب عليها.

ودعا الحزب الى البدأ بحلحلة الأزمة السياسية، وتجاوز الانقسام في المؤسسات وتجديد الشرعية من خلال مسار سياسي توافقي واضح، يفضي إلى انتخابات عامة.

زيادة الطلب

الباحث الاقتصادي أوس رقص يرى أن ضخ كميات كبيرة من الدولار عبر المنظومات الرسمية قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، إذ يخلق فرص أرباح سريعة من المتاجرة بالعملة بسبب الفجوة الواسعة بين السعر الرسمي والموازي، ما يعزز الطلب بدل خفضه.

وأكد في منشور له أن أي توسع في الإنفاق بالدينار دون غطاء حقيقي من النقد الأجنبي يتحول مباشرة إلى تضخم وضغط على سعر الصرف.

تخفيض متواصل

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي نور الدين حبارات أن من أكبر الأخطاء الاستراتيجية كان تخفيض قيمة الدينار من 1.40 إلى 4.48 للدولار في 2020، وهو ما أطلق موجة تآكل مستمرة في القوة الشرائية وأضعف الطبقة الوسطى، مشيرًا إلى أن الصرف دون قانون ميزانية وتضخم البرامج الحكومية أسهما في إهدار مليارات الدينارات وزيادة الكتلة النقدية وشح السيولة.

وذكر حبارات أن الصرف دون قانون للميزانية العامة، ولا حتى بموجب ترتيبات مالية، أدى إلى ارتفاع فاتورة الإنفاق العام إلى أضعاف مقارنة بسنوات ما قبل 2021، وإلى زيادة حجم المعروض النقدي وشح السيولة، مشيرا إلى ان في إطلاق حكومتي الغرب والشرق برامج مثل “عودة الحياة” و”إعادة إعمار وتنمية”، سمح بصرف وإهدار عشرات المليارات. ‏

‏ وتوقع حبارات عدم جدوى مقترحات للحل مثل فرض ضرائب أو رفع الدعم أو إصلاحه، أو إعادة هيكلة الجهاز الإداري والشركات العامة، أو إقرار سياسة تقشفية، لأنها الزمن تجاوزها، حسب رأيه‏.

الحل التوحيد

وأوضح أن ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية كان نتيجة طبيعية ومتوقعة في بلد منقسم بحكومتين، مستغربًا من اقتصاديين ورجال أعمال ما زالوا يطرحون حلولًا جزئية، بدل المطالبة أولًا بإنهاء الانقسام السياسي، متسائلًا: كيف يمكن أن تنجح أي إصلاحات في بلد يُدار من قبل حكومتين؟

موجة جديدة
استمرار ارتفاع الدولار يعني انتقال التضخم سريعًا إلى أسعار السلع المستوردة والنقل والطاقة، ما ينذر بموجة غلاء جديدة وتآكل إضافي في القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة مع اعتماد السوق الليبية بشكل كبير على الواردات.

مجمل المؤشرات الاقتصادية والتصريحات الرسمية تكشف أن أزمة سعر الصرف في ليبيا ليست نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل الإنفاق المنفلت، وتمويل العجز، والفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، واستنزاف العملة الصعبة، إضافة إلى الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة.

وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد خبراء أن أي استقرار حقيقي للدينار لن يتحقق عبر إجراءات نقدية مؤقتة فقط، بل يتطلب ضبط الإنفاق العام، توحيد السياسة المالية والنقدية، وإغلاق قنوات المضاربة، بالتوازي مع حلحلة الانقسام السياسي الذي يظل العامل الأعمق في تفاقم الأزمة الاقتصادية.

Exit mobile version