جاءت إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن محمّلة بتحذيرات من انهيار الوضع الاقتصادي وتفاقم الانقسام داخل السلطة القضائية، إلى جانب الدعوة لتوحيد المؤسسات، معلنة اعتماد إجراء بديل لتجاوز حالة الجمود، في خطوة تُعد تجاوزًا لدور مجلسي النواب والدولة.
مقترح أممي لكسر الجمود
أعلنت تيتيه إجراء محادثات أولية مع الأطراف السياسية بشأن مقاربة من خطوتين، تبدأ بتشكيل مجموعة مصغرة تُكلّف بإنجاز المهمتين الأوليتين في خارطة الطريق. وفي حال تعذر التوصل إلى اتفاق، سيتم توسيع دائرة المشاركة لضمان تنفيذها.
وأشارت خلال إحاطتها إلى أنه كان من المفترض إنجاز هاتين المهمتين خلال شهرين، إلا أن ستة أشهر مضت دون تحقيق تقدم يُذكر، ما يستدعي تحركًا عاجلًا وعدم إطالة أمد الانتظار.
وأكدت أنه لم يُحرز أي تقدم حقيقي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تنفيذ الخطوتين الأوليين، رغم الجهود التي بذلتها البعثة، كما لم يُنفذ اتفاق المجلسين حول آلية اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كما هو منصوص عليه.
إجراءات أحادية وتعقيد للمشهد
وأوضحت تيتيه أن الإجراءات الأحادية، سواء من جانب مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة، أدت إلى تعقيد المشهد وتهديد وحدة المفوضية، في ظل استمرار تعطيل تعديل الإطار الانتخابي والقانوني.
وأكدت استمرارها في العمل مع الأعضاء الأربعة في مجلس إدارة المفوضية إلى حين التوصل إلى اتفاق، مشيرة إلى أن عجز المجلسين عن تطبيق الآلية المتفق عليها أضعف مصداقيتهما، ورسّخ لدى الشارع الليبي قناعة بعدم قدرتهما أو رغبتهما في إنجاز الاستحقاقات المطلوبة.
توصيات الحوار المهيكل
وفيما يتعلق بالحوار المهيكل، قالت تيتيه إن مساري الحوكمة والأمن ركزا على الخروج بتوصيات تكفل تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية.
في المقابل، شدد المسار الاقتصادي على ضرورة معالجة الإسراف في الإنفاق العام، إلى جانب البحث عن خيارات عملية لزيادة إيرادات الدولة عبر تنويع الاقتصاد وتعزيز إدارة المالية العامة.
أما مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، فدعا إلى النأي بالقضاء عن التجاذبات والاستقطاب السياسي، حفاظًا على وحدته واستقلاليته.
ترحيب بالانتخابات البلدية
ورحّبت تيتيه بانتهاء انتخابات المجالس البلدية في ثلاث بلديات بالمنطقة الغربية في 7 فبراير، ليرتفع عدد البلديات التي شهدت انتخابات خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية إلى 119 بلدية، في خطوة وصفتها بالمهمة نحو تعزيز الحوكمة المحلية المسؤولة.
انقسام قضائي وتحذير من تداعيات خطيرة
وتحدثت تيتيه عن أن النظام القضائي الليبي يشهد انقسامًا متزايدًا تمثل في ولايات متنافسة وأحكام متضاربة وخلافات بشأن تنظيم السلطة القضائية، بما في ذلك المجلس الأعلى للقضاء.
وحذرت من أن استمرار هذه الإجراءات سيؤدي إلى نشوء أنظمة قانونية متوازية ومتناقضة، بما يهدد وحدة القضاء ويضعف إقامة العدل، مع تداعيات محتملة على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان.
ودعت مجلس الأمن إلى محاسبة الأفراد الذين يواصلون اتخاذ خطوات من شأنها تقسيم القضاء وتقويض وحدة البلاد.
تدهور اقتصادي وضغوط متزايدة
وفيما يتعلق بالمسار الاقتصادي، أكدت تيتيه أن التراجع مستمر في ظل انخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار ونقص الوقود، ما زاد من معاناة المواطنين.
وأضافت أن غياب ميزانية وطنية موحدة، ووجود مؤسسات حكومية موازية، إلى جانب تراجع عائدات النفط، ساهم في اختلال ميزان العملات الأجنبية واستنزاف الاحتياطيات.
وشددت على ضرورة تنفيذ برنامج التنمية الموحد الموقع العام الماضي، تمهيدًا لإقرار ميزانية موحدة تحدّ من التدهور الاقتصادي.
تصاعد الجريمة المنظمة
كما أشارت إلى ازدهار الشبكات الإجرامية العابرة للحدود في بيئة تتسم بتشظي المؤسسات الأمنية، وتحول ليبيا إلى مركز عبور رئيسي لتهريب المخدرات، مع ارتباط وثيق بجرائم الاتجار بالأسلحة، وفق ما أظهر تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
وفي السياق الأمني، لفتت إلى دور قيادات عسكرية بارزة في دعم توحيد المؤسسة العسكرية والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020.
الحاجة إلى حل سياسي شامل
وفي ختام كلمتها، حذرت تيتيه من تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر وهشاشة الوضع الأمني.
وأكدت أن معالجة السبب الجذري للأزمة، والمتمثل في الانقسام الحكومي، عبر تنفيذ خارطة الطريق والتوصل إلى حل سياسي شامل يجمع شمل الليبيين، تمثل السبيل الوحيد للمضي قدمًا نحو الاستقرار.


