خارطة الطريق السياسية: جمود متواصل وانعدام التوافق
استهلت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، إحاطتها أمام مجلس الأمن بالتأكيد على استمرار تعثر تنفيذ خارطة الطريق السياسية، مشيرة إلى عدم إحراز أي تقدم حقيقي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين المرتبطتين بالمسار الانتخابي.
وأوضحت أن الاتفاق السابق على آلية اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لم يُنفذ، في ظل إجراءات أحادية من الطرفين، ما زاد من تعقيد المشهد وهدد وحدة المفوضية ومصداقية المؤسستين، وعزز قناعة الشارع الليبي بعدم قدرتهما على التوافق لإنجاز الاستحقاقات الأساسية.
مقاربة بديلة لكسر الانسداد السياسي
وأشارت تيتيه إلى إجراء مشاورات مبدئية مع أطراف سياسية رئيسية حول مقاربة بديلة تقوم على تشكيل مجموعة مصغرة لإنجاز المهمتين الأساسيتين ضمن خارطة الطريق، تمهيداً لإجراء الانتخابات.
وأكدت أنه في حال فشل هذه المجموعة، ستوسع دائرة التوافق، مشددة على أن استمرار الجمود بعد ستة أشهر من المهلة المفترضة يعكس غياب الإرادة السياسية ويجعل الانتظار غير قابل للاستمرار.
الحوار المهيكل: توافق على أولوية الإصلاح والانتخابات
وتطرقت الإحاطة إلى جولتين من المداولات في طرابلس ضمن الحوار المهيكل عبر أربعة مسارات: الاقتصاد، الحوكمة، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
وبحسب البعثة الأممية، برز إجماع واسع على ضرورة حل الانسداد السياسي وإجراء إصلاحات في الحكم والاقتصاد، مع تركيز مساري الحوكمة والأمن على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بينما شدد المسار الاقتصادي على ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات وتنويع الاقتصاد وتعزيز إدارة المالية العامة.
كما دعا مسار المصالحة إلى تحييد القضاء عن التجاذبات السياسية حفاظاً على استقلاله ووحدته.
الانتخابات البلدية: تقدم محلي محدود
ورحبت المبعوثة الأممية باستكمال انتخابات المجالس البلدية في ثلاث بلديات بالمنطقة الغربية خلال فبراير، مشيرة إلى إجراء انتخابات في 119 بلدية خلال 14 شهراً، باعتبارها خطوة مهمة نحو ترسيخ الحوكمة المحلية، إضافة إلى انتخاب ثاني امرأة في تاريخ ليبيا لمنصب عميد بلدية.
انقسام القضاء: خطر يهدد وحدة الدولة
وحذرت الإحاطة من تصاعد الانقسام داخل النظام القضائي، مع وجود ولايات قضائية متنافسة وأحكام متضاربة بين المحكمة الدستورية في بنغازي والدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس.
وأكدت أن هذه التطورات، إلى جانب الخلافات حول المجلس الأعلى للقضاء والجريدة الرسمية، تنذر بإنشاء منظومات قانونية متوازية، ما قد يقوض وحدة العدالة ويعرقل العملية السياسية، ويمثل “خطاً أحمر” يهدد تماسك الدولة إذا لم يتم احتواؤه.
الاقتصاد الليبي: تراجع حاد وضغوط معيشية متزايدة
وأبرزت تيتيه التدهور المتسارع في المسار الاقتصادي، مع انخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار ونقص الوقود، ما يزيد من معاناة المواطنين ويؤجج السخط الشعبي.
وأشارت إلى أن غياب ميزانية موحدة وتعدد الحكومات الموازية وانخفاض عائدات النفط أسهمت في اختلال ميزان العملات الأجنبية واستنزاف الاحتياطيات، مؤكدة أن خفض قيمة الدينار بنسبة تقارب 14.7% خلال تسعة أشهر أثر سلباً على القدرة الشرائية للأسر.
الفقر والإنفاق غير المنتج
ووفق الإحاطة، يعيش نحو 30% من الليبيين تحت خط الفقر، مع ارتفاع سلة الغذاء بنسبة 24% بين 2024 ومنتصف 2025، وسط توقعات بزيادة معدلات الفقر في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي.
كما أوضحت أن نحو 80% من الإنفاق العام يذهب إلى الرواتب والدعم، ما يحد من الاستثمار في التنمية، في حين استنزفت آلية “الوقود مقابل النفط” السابقة الميزانية بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً.
الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات
وسلطت الإحاطة الضوء على تنامي الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وتحول ليبيا إلى مركز عبور رئيسي لتهريب المخدرات والاتجار بالبشر والأسلحة، مستفيدة من هشاشة المؤسسات الأمنية وضعف الرقابة المالية، ما يقوض سلطة الدولة ويغذي عدم الاستقرار.
اغتيالات واستقرار أمني هش
وأشارت المبعوثة إلى استمرار الاغتيالات المستهدفة، مؤكدة ضرورة إجراء تحقيقات شفافة في الحوادث الأخيرة، في وقت تظل فيه هشاشة الوضع الأمني عاملاً مقلقاً قد يفرز تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة.
السبيل إلى الحل: تسوية سياسية شاملة
واختتمت تيتيه إحاطتها بالتأكيد على أن الحل الوحيد للمضي قدماً يكمن في التوصل إلى تسوية سياسية توحد المؤسسات وتكسر حالة الانقسام، محذرة من أن استمرار التشظي السياسي والاقتصادي والقضائي يقوض وحدة ليبيا ويهدد استقرارها الداخلي والإقليمي.


