in

التسعير بالقوة.. طريق مختصر إلى الفوضى لا إلى خفض الأسعار

التاريخ واضح وصريح، ومن لا يريد أن يفهمه يُجبر على تكراره.

بعد الثورة الفرنسية، وتحديدًا في سنة 1793، قرر الثوار فرض ما سُمّي حينها بـ«قانون الحد الأقصى للأسعار» بحجة حماية الناس من الغلاء وضبط أسعار الخبز والسلع الأساسية. القرار كان شعبويًا وجذابًا في الظاهر، لكنه كارثي في الواقع. المزارعون توقفوا عن الزراعة والبيع، والتجار أخفوا السلع، وارتفعت الأسعار في السوق السوداء بشكل أكبر بكثير من السابق. فبدل أن تنخفض الأسعار، ارتفعت، وبدل أن يهدأ الشارع، انفجر غضبًا.

وبدلًا من مراجعة الخطأ، صعد الثوار بالقمع، وبدأت الاتهامات بالاحتكار والخيانة، وانتهى الأمر بإعدامات واسعة طالت المزارعين والتجار، ثم طالت قادة الثورة أنفسهم في النهاية، وعلى رأسهم روبسبير، ونتج عن كل هذا عملة منهارة واقتصاد مشلول ومجتمع أصبح أفقر وأكثر انقسامًا.

هذا المثال ليس قصة تاريخية للتسلية، بل درس اقتصادي متكرر… فالتسعير الإجباري لا يخفض الأسعار لأنه يعالج النتيجة لا السبب. المشكلة الحقيقية دائمًا تكون في عملة ضعيفة وسعر صرف مضطرب وإنفاق عام بلا ضوابط وبيئة سوق مختلة.

لهذا، يا وزير الاقتصاد، هناك فرق كبير بين تنظيم السوق وفرض سعر إداري بالقوة. وزير الاقتصاد ليس مطلوبًا منه أن يلعب دور السوق ويضع أرقامًا على السلع. المطلوب منه تنظيم سلاسل التوريد، ومنع الاحتكار الحقيقي، وضبط التخزين والتوزيع، وفرض شفافية التكاليف وهوامش الربح، وخلق منافسة فعلية. عندما تُدار هذه العناصر بشكل صحيح، سينضبط السعر تلقائيًا بدون قمع ولا اختفاء سلع.

أما فرض تسعيرة في بيئة اقتصادية منهكة، فهو هروب من أصل المشكلة، وتجربة أثبت التاريخ، قديمه وحديثه، أن نهايتها واحدة:
سوق سوداء… غضب شعبي… وسقوط من ظنوا أن الأرقام تُفرض بالقوة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

المركزي يحدد ضوابط جديدة لبيع النقد الأجنبي ويضع سقفًا سنويًا للمواطنين

رئيس مؤسسة النفط: تأمين الغاز للسوق المحلي أولوية وليبيا قادرة على تصدير الغاز لأوروبا