خبر الدولار الكاش… عندما تصبح الشائعة أخطر من القرار
خلال الساعات الماضية انتشر كالنار في الهشيم خبر مفاده أن ليبيا حصلت بعد 15 سنة على موافقة لتوريد وتوزيع 600 مليون دولار كاش شهريًا، وأن الحظر السابق على استيراد الدولار النقدي قد رُفع.
اللافت هنا ليس الخبر بحد ذاته، بل مصدره: لا بيان من مصرف ليبيا المركزي، ولا توضيح من الحكومة،ولا تصريح من أي جهة سيادية، وإنما صفحات غير رسمية، يُشتبه أن خلف بعضها تجار عملة.
نحن لا نتحدث عن خبر عادي، بل عن قرار يمس الأمن القومي مباشرة، ويتعلق بحركة النقد الأجنبي، والحدود، والفساد، والرقابة الدولية.
قرارات بهذا الحجم “إن صحت ” لا تُسرّب، بل تُعلن رسميًا، وتُشرح للرأي العام، وتُبرر اقتصاديًا وقانونيًا.
الأسئلة المنطقية التي لا يمكن القفز عنها:
كيف يُعقل أن يُسمح لبلد مصنّف ضمن أسوأ الدول في مؤشرات الفساد، وحدوده مستباحة، بتوزيع الدولار كاش؟
كيف يُخفف الحظر عن الكاش، بينما الاعتمادات المستندية – وهي أكثر رقابة وانضباطًا (سويفت، تتبع مصرفي، إيداعات) – ما زالت محاطة بقيود وتحذيرات؟
شركة K2 للمراجعة الدولية نفسها وضعت محاذير شديدة على حركة العملة الصعبة في ليبيا، فهل زالت هذه المحاذير فجأة؟
لماذا لم تُسارع الحكومة – وهي التي تسوّق لأي إنجاز ولو كان إداريًا أو مؤجلاً منذ سنوات – إلى تبنّي هذا “الإنجاز” إن كان حقيقيًا؟
هل نحن أمام إدارة بالأزمة والشائعة بدل القرار والبيان الرسمي؟
الأخطر من الخبر نفسه هو الصمت، صمت المصرف المركزي في لحظة انهيار ثقة، وصمت الحكومة في لحظة تبحث فيها عن أي رواية نجاح، وترك الساحة لصفحات غير موثقة لتشكّل وعي السوق، وتغذّي الهلع، وترفع الدولار.
في الاقتصاد، التواصل الخاطئ أخطر من القرار الخاطئ، وعندما تغيب المعلومة الرسمية، تصبح الشائعة أداة سوق، لا خبرًا، إما أن هذا الخبر غير صحيح ويجب نفيه فورًا، أو أنه صحيح، وهنا الكارثة أكبر، لأن إدارته تمت خارج الدولة، وبمنطق “التسريب” لا السيادة وفي الحالتين، ما يحدث اليوم ليس إدارة سياسة نقدية، بل فشل في إدارة الثقة، والثقة هي آخر ما تبقى لأي عملة.


