في ظل تصاعد الضغوط على الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، جاء قرار مصرف ليبيا المركزي بتحديد سعر صرف الدولار عند مستوى 6.36 دنانير مصحوبًا بهوامش بيع جديدة، ليعيد الجدل حول جدوى السياسات النقدية الحالية وقدرتها على احتواء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
هذا القرار، الذي يلامس بشكل مباشر حياة المواطن وأسعار السلع ومستوى المعيشة، يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافع توقيته، وآثاره الحقيقية على السوق، وما إذا كان يمثل خطوة إصلاحية جادة أم مجرد محاولة مؤقتة لإدارة أزمة أعمق تتطلب حلولًا هيكلية شاملة.
لمناقشة هذه المحاور أجرت شبكة الرائد مقابلة مع المحلل الاقتصادي المبروك صالح لتسليط الضوء على أبعاد القرار وتداعياته المستقبلية على الاقتصاد الليبي.
* ما الدوافع الحقيقية التي جعلت المركزي يحدد سعر الصرف عند 6.36 دنانير للدولار في هذا التوقيت بالذات؟
يأتي هذا القرار في توقيت حساس يعكس محاولة المركزي الحفاظ على توازن الميزانية العامة عبر اعتماد سعر صرف يتماشى نسبيًا مع مستوى الإيرادات النفطية الفعلية، في ظل ارتفاع الإنفاق العام واتساع العجز غير المعلن.
كما يهدف القرار إلى تجنّب تآكل الثقة في العملة الوطنية ومنع انفلات أكبر في السوق الموازية، خاصة مع الضغوط المتزايدة على الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع الطلب غير المنتج على الدولار.
*هل سيسهم تحديد هامش البيع (4% نقدي و2.5% للصكوك والحوالات) فعليًا في تقليص الفجوة مع السوق الموازية أم سيخلق تشوهات جديدة داخل السوق الرسمي؟
نظريًا، قد يساهم هذا الإجراء في تقليص الفجوة إذا كان السعر الرسمي أقرب إلى السعر الحقيقي في السوق، وإذا ترافقت السياسة مع توفير فعلي للعملة الأجنبية عبر قنوات واضحة وسلسة، بما يسحب جزءًا من الطلب من السوق السوداء.
لكن عمليًا، قد يتحول هذا الهامش إلى عامل تشوّه إضافي إذا لم يكن كافيًا لتغطية فروق الأسعار والمخاطر، أو إذا ظل الوصول إلى العملة الرسمية مقيدًا إداريًا أو مصرفيًا، الأمر الذي قد يدفع السوق الموازية إلى إعادة إنتاج نفسها عبر التحايل على القيود واستغلال الفجوات.
ما الأثر المباشر لهذا القرار على أسعار السلع والقوة الشرائية للمواطن، خاصة في ظل ثبات الأجور وارتفاع التضخم؟
من المرجّح أن يؤدي تثبيت سعر الصرف الرسمي مع هامش محدد إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد إذا بقي سعر السوق الفعلي أعلى، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة غير المدعومة منها. وفي ظل ثبات الأجور وارتفاع معدلات التضخم، ستتآكل القوة الشرائية للمواطن بشكل أكبر، ما يضع الاقتصاد في مأزق حقيقي قد يقود إلى تشوهات أعمق وربما إلى “نفق مظلم” اقتصاديًا.
غير أن حدة هذا الأثر تبقى مرتبطة بمدى انتقال القرار فعليًا عبر سلاسل الإمداد، وبحجم الدعم أو التدخل الحكومي في السلع الأساسية.
*هل يعالج هذا الإجراء جذور أزمة سعر الصرف أم أنه مجرد إدارة مؤقتة للأزمة؟
في جوهره، لا يعالج هذا الإجراء الأسباب الهيكلية لأزمة سعر الصرف، بل يندرج ضمن إطار الإدارة المؤقتة للأزمة.
فجذور المشكلة تكمن في استمرار الإنفاق العام المرتفع، وغياب سياسة مالية منضبطة، وعدم وجود ميزانية موحدة، إضافة إلى الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وضعف الحوكمة الاقتصادية وتداخل القرارين المالي والنقدي.
ومن دون إصلاحات شاملة تمس هيكل الاقتصاد الليبي، فإن أي تعديل في سعر الصرف سيبقى حلًا جزئيًا ومؤقتًا، قابلًا للتآكل مع أول صدمة مالية أو سياسية.


