في ظل التطورات الاقتصادية والنقدية الراهنة، تبرز الحاجة إلى توضيح جملة من الحقائق الجوهرية المرتبطة بالسياسات المالية والنقدية، وبالدور الذي يؤديه مصرف ليبيا المركزي في هذه المرحلة الحساسة.
أولًا: مصرف ليبيا المركزي بين المطرقة والسندان
يقف مصرف ليبيا المركزي أمام معادلة بالغة التعقيد؛ فمن جهة، يواجه إنفاقًا عامًا منفلتًا يشمل المرتبات والدعم والإنفاق التسييري والتنموي، يُموَّل جزء معتبر منه عبر خلق النقود. ومن جهة أخرى، يُطلب منه تغطية هذا الإنفاق من إيرادات دولارية تمثل نحو 93% من مصادر تمويل الدولة.
هذه المعادلة غير قابلة للتوازن اقتصاديًا، إذ يستحيل تحقيق استقرار مالي أو نقدي في ظل إنفاق مفتوح، وإيرادات أحادية المصدر ومتقلبة، وتمويل نقدي مستمر للعجز. وفي هذا السياق، يصبح تعديل سعر الصرف إجراءً اضطراريًا لإدارة الاختلال، لا إصلاحًا حقيقيًا ولا حلًا جذريًا.
ثانيًا: من يتحمّل الكلفة الحقيقية؟
من المهم التأكيد على حقيقة اقتصادية غالبًا ما يُساء فهمها:
جميع أشكال الإنفاق، والضرائب، والرسوم، وكذلك أي تخفيض في سعر الصرف، يتحمّل كلفتها المواطن في النهاية. فلا حكومة تخسر فعليًا، ولا تاجر يتحمّل الخسارة على المدى المتوسط، إذ تُعاد الكلفة توزيعها على المجتمع عبر التضخم، وارتفاع الأسعار، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع مستوى المعيشة.
ثالثًا: هوامش بيع العملة – قراءة واقعية
ما يُعرف بهوامش بيع العملة (2% أو 4%) لا يُعد سياسة تسعيرية فعّالة، بل هو في جوهره تكلفة خدمة. فالسوق هو الذي يحدد السعر الحقيقي، وليس الهامش الإداري. ومع استمرار اختلال العرض والطلب أو خلق النقود، فإن أي هامش رسمي لن يمنع تشكّل سعر موازٍ خارج الإطار المعلن.
رابعًا: تخفيض سعر الصرف والفجوة السعرية كضرائب مقنّعة
من منظور اقتصادي بحت، يُعد تخفيض سعر الصرف ضريبة غير مباشرة، كما تُعد الفجوة بين السعر الرسمي والموازي ضريبة كذلك. الفرق يكمن في الجهة المستفيدة: ففي حالة الفجوة السعرية قد يستفيد طرف أو جهة حصلت على العملة بسعر تفضيلي، بينما تذهب الضرائب والرسوم الرسمية إلى الحكومة. وفي الحالتين، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن.
خامسًا: الخلل في سعر الصرف نتيجة لا أصل الأزمة
إن الخلل في سعر الصرف والفجوة السعرية ليسا سبب الأزمة الاقتصادية، بل نتيجة مباشرة لاختلالات أعمق في السياسات المالية، وهيكل الإنفاق، ونمط تمويل العجز. وما لم تُعالج هذه الجذور، سيظل تعديل سعر الصرف أو فرض الرسوم مجرد أدوات إدارية لإدارة الأزمة لا لحلّها.
خلاصة
إن تعديل سعر الصرف في ليبيا اليوم لا يمثل إصلاحًا اقتصاديًا شاملًا، بل إجراءً اضطراريًا فرضته معادلة غير قابلة للاستمرار. وطالما استمر الإنفاق العام المنفلت، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات الدولارية، وتمويل العجز عبر خلق النقود، فإن أي كلفة جديدة ستُنقل تلقائيًا إلى المواطن.
فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بمواءمة الإنفاق مع الإيرادات الحقيقية، ووقف خلق النقود، واعتماد سياسات مالية ونقدية واقعية، هدفها تحقيق نمو اقتصادي حقيقي، واستقرار مالي ونقدي، وتحسين مستدام في معيشة المواطن.
المصدر: خاص الرائد

