in

تخفيض سعر الصرف وفرض ضرائب ورسوم على السلع

للأسف الشديد، إن ما صدر عن مصرف ليبيا المركزي بتعديل سعر الصرف من 5.40 إلى 6.35، وما صدر عن مجلس النواب بفرض ضرائب ورسوم على السلع الاستهلاكية والإنتاجية وعلى مبيعات النقد الأجنبي، هو حقيقة لا يختلف عليها عاقلان، وهي أن جميع هذه الضرائب والرسوم، بما فيها تخفيض العملة الوطنية، سوف يتحمّل كلفتها المواطن الليبي الغلبان.

  • إن فرض هذه الضرائب والرسوم وتخفيض سعر صرف العملة الوطنية معناه جعل المواطن تحت خط الفقر، وهذا ما صرّح به السيد وزير الاقتصاد بأن 30% من الشعب الليبي تحت خط الفقر، فما بالك بعد تخفيض العملة الوطنية وفرض رسوم وضرائب على السلع وعلى مبيعات النقد الأجنبي، فإنه سوف يصل إلى 40%، وبذلك يتم سحق المواطن ويُجعل من هذا التصرف ثورة جياع.

  • إن الهدف من هذا الإجراء هو سدّ العجز في احتياجات الحكومة لمواردها المالية، كما تفعل الدول الرأسمالية؛ إذ تلجأ دائمًا إلى فرض الضرائب والرسوم عندما تتعرض مواردها لأزمات مالية، ويصبح الشعب هو من يتحمّل هذه التكاليف، وهو الوحيد الذي يكون دافع الضرائب إلى الحكومة.

  • الدول التي تحترم مواطنيها، عندما تتعرض لمثل هذه الأزمات المالية، كـانخفاض إيراداتها، لا تفكر في تخفيض عملتها، وهي آخر العلاج، بل تفكر في الجانب الآخر، وهو جانب نفقات الحكومة، فتعمل على تخفيضها، وتبدأ بالمرتبات العالية، وتخفيض الإنفاق، وتقليص موظفي السفارات، وتضع أولويات للاستيراد، وتُلغي الكثير من الأمور التي ليست في حاجة لها، ولا تلجأ إلى المواطن لفرض ضرائب ورسوم عليه، لأنها تحترم مواطنيها.
    أما في ليبيا، فقد تم ضرب المواطن ضربتين في الرأس:
    الأولى تخفيض عملته الوطنية،
    والثانية فرض ضرائب ورسوم على السلع الاستهلاكية والإنتاجية، وكذلك على مبيعات النقد الأجنبي، لأن المواطن هو الأضعف وليس له من يدافع عنه.

  • وعليه، وبدون ضبط الإنفاق الموازي، وبدون وضع موازنة موحّدة، وترشيد الإنفاق، سوف لن نصل إلى أي إصلاح، وسوف يتلو تخفيض سعر صرف العملة الوطنية تعديل آخر وآخر، وندخل في سلسلة مفرغة (زيد الماء زيد الدقيق)، وقد يصل إلى 1000 دينار كما في العراق ولبنان الآن، لا سمح الله.


مقترح سابق للخروج من أزمة الاقتصاد الليبي
بتاريخ 28/11/2024 نشرت هذا المقال في شكل مقترح بعنوان:
أزمة الاقتصاد الليبي وكيفية الخروج منها

أولًا: على المدى القصير

المرحلة الأولى: مرونة سعر الصرف
وهو ربط مرن لسعر صرف الدولار، بحيث يتم في حدود الكمية المتحصّل عليها من الدولارات من خلال بيع النفط، وإيرادات المؤسسات السيادية والاستثمارية، والرسوم والإتاوات التي تفرضها الدولة على الأنشطة المختلفة.
ويتم اختيار سعر الصرف وفقًا للاحتياجات أو بقدر الكمية المقدّرة لموازنة الدولة حتى نحافظ على ثبات سعر صرف العملة الوطنية.

لنفرض أن سعر الدينار الليبي مقابل الدولار حدده مصرف ليبيا المركزي بـ 6.35 دينار، ففي هذه الحالة يجب أن تكون لدينا حصيلة دولارية كافية نستطيع بها المحافظة على ثبات سعر الصرف من خلال مواردنا المذكورة أعلاه.
وهذا لا يتأتّى إلا بالعمل الجاد من الحكومة لاستعادة الثقة بين القطاع المصرفي والمواطن، بالإضافة إلى التشديد والمتابعة والرقابة النقدية والمالية والتجارية، حتى نتحصل على كمية كافية ومستدامة من الدولارات التي نحتاجها لسد احتياجات المواطن المعيشية وتنفيذ المشاريع التنموية والبُنى التحتية للدولة.
وهذا لا يتحقق إلا بتدفق الاستثمار الداخلي والخارجي للحصول على الإيرادات المناسبة والكافية للمحافظة على ثبات سعر صرف العملة الوطنية.

المرحلة الثانية: تفريغ ضغط المتأخرات الدولارية
وللعلم، فإن هذه المرحلة التي تصاحب مرونة سعر الصرف تُسمّى تفريغ ضغط المتأخرات الدولارية المرتبطة بسعر صرف الدولار، وهو سعر النفط الليبي في الأسواق العالمية وقيمة الإيرادات التي تتحصل عليها الدولة من خلال مؤسساتها السيادية.
وهذان العنصران لا يمكن الحصول عليهما خلال السنة، بل يمكن الحصول عليهما في نهاية السنة المالية، حتى ولو تم وضع ميزانية تقديرية لهما، حيث سيكون فيهما انحراف بالموجب أو بالسالب.
وعلى الحكومة العمل الجاد لتحقيق أكبر قدر من هذه الميزانية، سواء بزيادة الإنتاج النفطي، أو تحسين كفاءة الحقول والمصافي، أو زيادة كفاءة المؤسسات الاستثمارية والتنموية، وزيادة كفاءة تحصيل الضرائب والإتاوات والرسوم التي تجبيها الدولة، بهدف تحديد قيمة العملات الأجنبية مقابل العملة الوطنية.

المرحلة الثالثة: سحب سيولة النقد الليبي
إذا قام مصرف ليبيا المركزي بقفل السيولة من السوق المفتوحة بجميع فئاتها الورقية تدريجيًا، بحيث تُعتبر هذه السيولة كأن لم تكن، ويتم إقفالها على مؤسسات ودوائر الدولة، بما فيها القطاع المصرفي، مع خلق فئات عملات معدنية وورقية جديدة، ثم إعادة فتحها مرة أخرى بعد مرحلة تهدئة وتيرة الإنفاق العام وتقليل المصروفات، لاستهداف التضخم بدلًا من سعر صرف الدينار الليبي مقابل الدولار.


ثانيًا: على المدى الطويل

1- تهدئة وتيرة الإنفاق العام
بعد سحب سيولة النقد الليبي، يجب تهدئة وتيرة الإنفاق العام وتقليل المصروفات واستيراد الضروريات، بهدف معرفة احتياجاتنا الفعلية من السيولة، حتى تكون الميزانية العامة تحت سمع وبصر مجلس النواب والحكومة ووزارة المالية، وتصدر بقانون، ويتم الصرف منها وفق ما نص عليه قانون الميزانية.

2- التخارج الفعلي للدولة من قطاع الاقتصاد
التخارج هو إدارة أصول الدولة ودعم القطاع الخاص، أي تنفيذ سياسة ملكية الدولة، وربطها بالإصلاح الشامل لأصولها وأملاكها، وزيادة كفاءة أدائها، ودعم القطاع الخاص وزيادة العائد من أملاك الدولة، من خلال طروحات ومشاريع تطرحها الحكومة بقصد خروج الدولة من الاقتصاد المحلي كليًا أو جزئيًا، مع بقاء دورها في الإشراف والرقابة والمحاسبة، بهدف تحقيق إيرادات مساندة لإيرادات النفط.

3- استهداف التضخم بدلًا من سعر صرف الدولار مقابل العملة الوطنية
وذلك عبر عمليات السوق المفتوحة التي تستهدف معدلات الفائدة قصيرة الأجل، والحفاظ على التضخم ضمن نطاق مستهدف، وتقليص العرض النقدي، واستخدام أدوات نقدية مثل سلة العملات أو قاعدة الذهب بدلًا من عملة واحدة.

وللعلم، فإن مصرف ليبيا المركزي يدخل عليه يوميًا من إيرادات النفط قرابة 100 مليون دولار، ويتمتع باحتياطي نقدي جيد يبلغ 153 مليار دولار، منها 70 مليار دولار أصول مجمدة منذ 2011، و83 مليار دولار احتياطي نقدي، وهو ما يوفر دعمًا كبيرًا للاقتصاد الليبي.

غير أن بعض المضاربين من رجال الأعمال الفاسدين الذين يديرون السوق الموازي، يستغلون هذه الأوضاع للضغط على المصرف المركزي عبر بطاقات الأغراض الشخصية أو التلاعب بالاعتمادات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار أمام العملة الوطنية.


إن الإصلاح يبدأ بالسياسة المالية قبل السياسة النقدية، لأن الخلل في الإنفاق والتحصيل هو ما يُفشل السياسة النقدية. ويجب أن تكون السياسات المالية والنقدية والتجارية حزمة واحدة متكاملة لضبط السوق النقدي، وسوق السلع، وسوق الصرف، مع تشديد الرقابة، وتفعيل دور المؤسسات السيادية، ودعم المشاريع الصغرى والمتوسطة، وإنشاء صندوق التنمية الصناعية الليبي.

ولكن، وللأسف الشديد، حكّام الأمر الواقع لا تُرجى فائدة من نصحهم، ولا يُرجى منهم خير للوطن والمواطن، وكما قال الشاعر العربي عمر بن معد يكرب الزبيدي:
«لقد أسمعت لو ناديت حيًّا
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارٌ نفخت بها أضاءت
ولكنك تنفخ في الرماد»

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

تعديل سعر الصرف.. إدارة أزمة لا إصلاح اقتصادي