يشهد الدينار الليبي تدهورًا متواصلًا في السوق الموازية، وهو تدهور يُفسَّر غالبًا بوصفه نتيجة مباشرة لانخفاض الإيرادات النفطية واتساع العجز المالي واختلال الميزان التجاري الخارجي. ورغم أهمية هذه العوامل، فإنها لا تقدم تفسيرًا كافيًا، ولا تسمح بفهم الفارق الجوهري بين الحالة الليبية وتجارب دول نفطية أخرى واجهت دورات هبوط مماثلة في أسعار النفط دون أن تتعرض عملاتها لصدمات حادة. هذا التباين يفرض البحث عن زاوية تحليل مختلفة، تركز على القناة التي تتحول من خلالها الصدمات النفطية والمالية إلى هلع نقدي ينعكس فورًا على سعر الصرف.
العجز المالي ليس قناة تلقائية لانهيار العملة
الربط الشائع بين العجز المالي أو العجز في الحساب الجاري وبين تدهور سعر الصرف يفترض وجود علاقة سببية مباشرة، بينما تُظهر التجربة المقارنة أن هذه العلاقة ليست حتمية. فقد سجلت السعودية والكويت وقطر والإمارات فترات عجز مالي وتراجعًا في فوائض الحساب الجاري خلال دورات هبوط أسعار النفط، ومع ذلك لم تشهد عملاتها اهتزازًا مماثلًا. ما يميز هذه الحالات ليس غياب العجز، بل وجود منظومة نقدية قادرة على استيعابه دون تحويله إلى أزمة ثقة أو صدمة في سوق الصرف.
استقرار الائتمان النقدي كآلية امتصاص للصدمات
في الاقتصادات الريعية، لا يتحدد سعر الصرف فقط بتدفقات النقد الأجنبي، بل بقدرة النظام النقدي على إدارة انتقال هذه التدفقات إلى الداخل. استقرار الائتمان النقدي يعني وجود إطار مؤسسي يمتص الصدمات المالية والنفطية ويمنع انتقالها المباشر إلى القاعدة النقدية وسعر الصرف. هذا الاستقرار لا يعالج الاختلالات فورًا، لكنه يؤدي وظيفة أكثر أهمية، وهي منح الوقت.
الوقت هنا ليس عنصرًا ثانويًا، بل موردًا اقتصاديًا بحد ذاته. فعندما يكون الائتمان النقدي مستقرًا، تُمنح السلطات النقدية والمالية مساحة زمنية لمعالجة اختلالات التدفق النقدي الداخلي والخارجي تدريجيًا، سواء عبر إعادة ترتيب الإنفاق، أو إدارة الاحتياطيات، أو تعديل أدوات السياسة الاقتصادية. غياب هذا الاستقرار، كما في الحالة الليبية، يجعل كل اختلال لحظي في التدفقات يتحول فورًا إلى ضغط على سعر الصرف، دون أي مهلة للمعالجة.
سعر الفائدة ودوره في كسب الوقت ومنع هلع السوق
تلعب أسعار الفائدة، أو الأدوات التي تقوم مقامها، دورًا محوريًا في هذه الوظيفة الزمنية. فهي لا تضبط حجم السيولة فقط، بل تضبط سلوك السوق وتوقعاته. عندما تكون هناك أداة قادرة على امتصاص الفوائض أو إعادة تسعير السيولة، يتباطأ انتقال الصدمة، ويتراجع منطق الهلع، ويُمنع تطور الوضع إلى سباق مضاربي على العملة.
في ليبيا، يؤدي غياب سعر فائدة فعّال أو ما يحل محلها إلى غياب هذه الوظيفة الوقائية. الفائض النقدي في فترات الوفرة لا يُسحب، والعجز في فترات الانكماش يُموَّل عبر توسع نقدي مباشر أو غير مباشر. ومع غياب أداة تنظيمية، تتحول التوقعات السلبية إلى نبوءة ذاتية التحقق، ويصبح سعر الصرف ساحة لتجميع الخوف بدل أن يكون أداة امتصاص للصدمات.
الدول الإسلامية: التنظيم النقدي دون كسر الإطار الشرعي
تُظهر تجربة السعودية والكويت وقطر أن الدور التنظيمي لسعر الفائدة يمكن تحقيقه دون الخروج عن الأطر الشرعية. فهذه الدول لا تعتمد سعر الفائدة كمفهوم قانوني مجرد، لكنها تستخدم أدوات نقدية تؤدي الوظيفة نفسها، مثل صكوك البنك المركزي، ونوافذ الإيداع والسحب، واتفاقيات إعادة الشراء المتوافقة مع الشريعة. هذه الأدوات لا تمنع العجز، لكنها تمنع تحوله إلى هلع نقدي، وتفصل زمنيًا بين الصدمة النفطية وبين انعكاسها على سعر الصرف.
المضاربة كنتاج لغياب الوقت لا لوجود فجوة سعرية فقط
في هذا السياق، تصبح المضاربة على الدينار نتيجة منطقية لغياب الاستقرار الائتماني، لا سببًا مستقلًا للأزمة. فالمضارب لا يستفيد فقط من فجوة أسعار الفائدة مع دول الجوار، بل من توقع عقلاني بأن السلطات النقدية ستُجبر في النهاية على التراجع تحت ضغط السوق. ومع تسارع الأحداث وغياب أدوات كسب الوقت، يتحول الضغط إلى كرة ثلج تغذيها توقعات التخفيض لا أساسيات الاقتصاد فقط.
التراجع تحت الضغط وتكلفة “نقطة اللاعودة”
عندما يتراجع المصرف المركزي تحت ضغط المضاربة، لا يكون التخفيض مجرد تصحيح فني، بل لحظة تأسيس لتوازن جديد. هذا التوازن غالبًا ما يُبنى عند مستوى منخفض لسعر الصرف، يحقق مكاسب آنية للتجار والمستوردين القادرين على إعادة تسعير مخزونهم والاستفادة لاحقًا من أي تحسن في الأوضاع. لكن هذا التوازن لا يكون محايدًا اجتماعيًا، إذ تتحمل كلفته الفئات ذات الدخل الثابت، ويتحول التخفيض إلى واقع لا يمكن الرجوع عنه بسهولة، حتى لو عادت الإيرادات النفطية أو تحسنت المؤشرات لاحقًا.
سعر الصرف بين الإدارة الوقائية والانصياع للأمر الواقع
الفرق الجوهري بين ليبيا والدول النفطية المستقرة لا يكمن في حجم الإيرادات ولا في طبيعة الصدمات، بل في قدرة المنظومة النقدية على كسب الوقت ومنع تحول الاختلالات المؤقتة إلى أزمات دائمة. في الدول المستقرة، يُدار سعر الصرف ضمن إطار وقائي يمنح صناع القرار هامش حركة. أما في ليبيا، فيتحول سعر الصرف إلى متغير ردّ فعل، يُعاد ضبطه بعد فوات الأوان، وبكلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة.
خلاصة تحليلية
إن تدهور سعر صرف الدينار الليبي لا يعكس فقط اختلالات مالية أو تجارية، بل يعكس غياب استقرار ائتماني نقدي قادر على تنظيم الدورة بين الوفرة والعجز، ومنح الوقت اللازم لمعالجة الصدمات قبل أن تتحول إلى هلع سوقي. في هذا الإطار، يشكل سعر الفائدة، أو ما يقوم مقامه، أداة مركزية ليس فقط لضبط السيولة، بل لحماية القرار الاقتصادي من الابتزاز الزمني للسوق. وبدون استعادة هذه الوظيفة، ستظل أي معالجة لسعر الصرف معالجة متأخرة، تُنتج توازنات جديدة قد تفيد بعض الفاعلين الاقتصاديين، لكنها لا تخدم المواطن ولا الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط.


