in

قراءة في التقرير المعنون ( ما هو آت للإخوان ) …

أرسل لي صديق قراءة مختصرة للتقرير خلص صاحبها من خلالها إلى أن هناك توافقًا دوليًا تشارك فيه أنظمة غربية وعربية وإسلامية على رفض تنظيم الإخوان المسلمين وامتداداته واعتبر ذلك مؤشرًا على نهاية هذا التيار.

وفي تقديري، أن هذا استنتاج خاطئ تمامًا ، وببساطة شديدة لو كان الإخوان فعلًا في طريقهم إلى النهاية، فلماذا كل هذا الاهتمام العالمي والمحلي بهم ؟ ولماذا هذا التضييق المكثف وعلى كل المستويات سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا واجتماعيًا ؟

يبدو أن صاحب هذه القراءة وقع في خلط شائع بين الإخوان كتنظيم تقليدي يعمل بنفس الأدوات والأساليب القديمة ، وهو أمر قد يجعلهم بالفعل في مأزق ، وبين الإخوان كفكرة ، وكتيار اجتماعي وثقافي واسع ، وهذا الخلط يؤدي إلى استنتاجات متعجلة لا تصمد أمام قراءة أعمق للواقع.

فنحن نعيش اليوم في عالم تغيّرت فيه أدوات التأثير والعمل العام بشكل جذري و اتسعت مجالات العمل المدني والأهلي ، وتعددت الأحزاب وتضخّم دور الجهود الفردية وتحوّلت شبكة المعلومات إلى فضاء مفتوح جعل العالم أشبه بقرية واحدة، وهذا التيار يضم كوادر ونخبا كثيرة وهم يعملون على الاستفادة من كل هذه المساحات.

نعم، ربما لم تنضج عندهم بعدُ مراجعات شاملة لتطوير اساليب عملهم بشكل أكثر مرونة وانفتاح، لأسباب كثيرة منها حوار الأجيال داخل التنظيم والضربات الأمنية والإعلامية التي توجه لهذا التيار.

ولعل بعض الخلافات الحاصلة داخل هذا التيار هي إرهاصات الإعلان عن مراجعات شاملة.

هذه التحولات أحدثت تغييرات اجتماعية عميقة لا يمكن لأي جهة مهما بلغت قوتها التحكم في مساراتها أو نتائجها.

إن ما نشهده اليوم من تحولات اجتماعية ، وانتشار واسع للإسلام وثقافته في بقاع مختلفة من العالم ، ليس حدثًا طارئًا أو معزولًا ، بل هو في جانب كبير منه نتاج تراكمي لجهود الحركة الإسلامية على مدى قرن تقريبًا ، رغم كل أشكال القمع والتضييق من القتل إلى السجون إلى الحظر إلى الملاحقة السياسية والأمنية والإعلامية والاجتماعية ، ويحدث كل ذلك بالمخالفة الصريحة لمواثيق حقوق الإنسان التي يرفعها ( العالم المتحضر ) شعارًا له، وقد كشف زيف هذه الشعارات أمام الجميع، وهذا التضييق وضع الكثير من هذه الدول في موقف اضطرت إلى التضحية بمبادئها المعلنة وبسمعتها الحقوقية مقابل قمع هذا الخطر الناعم بزعمهم الذي يغزو العالم ، وتحول هذا القمع والتضييق ذاته إلى عامل الاتجاه المعاكس والتعاطف مع الحركات الإسلامية والبحث عن هويتها ، ودفع أعدادًا متزايدة من الناس إلى البحث عن الإسلام أو إعادة اكتشافه.

وهكذا تحوّل السلاح المسلّط على الإسلاميين إلى دعاية غير مباشرة لهم ، ويكفي في هذا السياق أن نتأمل صمود غزة وما أحدثه من تحوّل في الوعي الاسلامي والعالمي.

كما لا يمكن تجاهل الأمثلة الصارخة في المنطقة مثل سحق التجربة الديمقراطية في مصر وقتل الرئيس المنتخب وسجن عشرات الآلاف ، وفي تونس سجن رئيس البرلمان الشيخ راشد الغنوشي ، الذي قدّم أحد أكثر النماذج الإسلامية اعتدالًا وانفتاحًا على الديمقراطية ، بالتوازي مع محاولات إجهاض ثورات الربيع العربي في ليبيا واليمن ، وقبلها الجزائر وغيرها.

نعم، التيار الإسلامي يحتاج اليوم إلى تطوير أساليب عمله ، والابتعاد عن بعض القوالب التنظيمية التقليدية وتوسيع دوائر نشاطه عبر كل المنابر المتاحة ، لكن في المقابل فإن ما يُسمّى بـ ( التيار المدني المعادي للإسلاميين ) لم يثبت وجوده كبديل حقيقي في العالم الاسلامي، وسوف يظل التيار الإسلامي العريض هو المعبر عن ثقافة هذه الشعوب.

ففي تونس حين ضُيّق على النهضة كتيار إسلامي انتهت المعارضة عمليًا ولم يبقَ أي تيار فاعل ليبرالي او قومي فاعل ،
وفي مصر تكرر المشهد نفسه فإقصاء الإسلاميين لم يُنتج حياة سياسية بل فراغًا وسلطوية.

ومن هذا السياق ، نصل إلى سؤال بالغ الأهمية تتجاهله كثير من القراءات الغربية والعربية عمدًا ، لماذا تُستهدف تنظيمات الإخوان في دول بعينها ، بينما يُتعامل مع تنظيمات أخرى بقدر من المرونة أو التغاضي ؟

لا يمكن هنا الاكتفاء بتفسيرات أيديولوجية سطحية ولا الادعاء بأن المسألة تتعلق فقط بالديمقراطية أو العنف أو قيم الحداثة و الواقع السياسي أعقد من ذلك بكثير.

فعند التدقيق نلاحظ أن مصر و الأردن و لبنان تشترك في عامل حاسم , وهو أنها دول محاذية لإسرائيل وجزء مباشر من معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي ، وتمثل عمقًا استراتيجيًا لأي تحول سياسي قد يؤثر في ميزان القوى في المنطقة.

في هذه الدول لا يُنظر إلى الإخوان كحركة اجتماعية أو سياسية فحسب بل كفاعل محتمل يمكن أن يعيد تشكيل الموقف الشعبي وربما الرسمي من إسرائيل ، حتى إن لم يرفع هذا الشعار صراحة ومن هنا ، يتعامل الغرب — والولايات المتحدة تحديدًا — مع هذه الدول لا بوصفها ساحات ديمقراطية بل بوصفها خطوط تماس أمنية، وأي تيار يمتلك قاعدة شعبية وخطابًا تعبويًا وقدرة على تحريك الشارع ورؤية مختلفة للصراع يُنظر إليه كخطر استراتيجي محتمل لا كخصم سياسي عادي.

وتأتي غزة هنا كنقطة كاشفة بامتياز ، فما جرى ويجري فيها لم يكسر فقط الرواية الغربية التقليدية ، بل أعاد تعريف معنى الصمود وأثبت أن الحركات الإسلامية رغم الحصار والتجفيف لا تزال قادرة على البقاء وفرض معادلات. وهذا ما يفسر القلق الغربي الحقيقي ، ليس من (الإسلام العنيف) كما يُقال ، بل من إسلام قادر على الصمود والتجدد والبقاء داخل المجتمعات رغم القمع.

ويثير الاستغراب موقف بعض أطراف الرأي العام وتيارات عُرفت تاريخيًا بمنافستها لتيار الإسلام الوسطي ، إذ رغم تضافر الأدلة خلال العقدين الأخيرين على أن التيار الأكثر صدامًا ومقاومة لإسرائيل هو تيار الإسلام الوسطي وعلى رأسه الإخوان المسلمون ورغم وضوح أن رأس الحربة في العداء الإماراتي و امتداداته الإقليمية وُجّه أساسًا ضد هذا التيار ، وصولًا إلى إعلان إدارة ترامب تصنيفه جماعة إرهابية ، لا يزال هذا التيار يُقدَّم لدى بعض المتابعين بوصفه أداة من أدوات التخريب ويهيئ الأرضية المناسبة لنمو الإمبريالية الغربية، في مفارقة تكشف عجزًا مستمرًا عن تفكيك هذا اللبس السياسي العميق.

ولو كان الإشكال مع الإخوان كفكرة ، لتم التعامل مع التنظيمات كلها بالمنطق نفسه، لكن الواقع يقول إن الإقصاء يتم حيث تمسّ الحركات الإسلامية المصالح الاستراتيجية الكبرى ، بينما يُتحمّل وجودها في أماكن أخرى. وهنا سقطت كل الشعارات ولم يبقَ سوى منطق (الاستقرار الوظيفي) ولو على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي النهاية لا تبدو المسألة مسألة (نهاية الإخوان) بقدر ما هي مرحلة تحوّل ، فقد تتراجع بعض الأشكال التنظيمية وقد تصبح بعض الأدوات غير صالحة لكن الفكرة لم تتراجع والطلب الاجتماعي على الإسلام لم ينخفض ، والحاجة إلى مشروع قيمي وأخلاقي جامع لم تختفِ.

الغرب في جوهر الأمر لا يخاف من الإخوان كتنظيم ، بل من الإسلام كقوة ثقافية واجتماعية ، والحركة الإسلامية تمثل – شئنا أم أبينا – الرافعة الأبرز لانتشار هذا الإسلام والتفاعل معه.

والمطلوب من التيار الإسلامي اليوم ليس الانكفاء ولا الاعتذار، بل الاجتهاد لتجديد أدواته ، والانخراط الواعي في قضايا العصر، دون التفريط في جوهر مشروعه.

فالسؤال الحقيقي ليس- هل انتهى الإخوان ؟
بل – كيف سيتحوّل التيار الإسلامي ليستمر دون أن يُستنزف في معارك الشكل ؟

والقراءة المناسبة للتقييم والتنبؤ بمستقبل هذا التيار العريض، وهذا التاريخ الطويل والتضحيات الجسام والإنتاج الفكري والعملي لرموزه في كل المجالات الحياتية ، ومرونته وقدرته على استيعاب كل المستجدات واقامة حياة متوازنة للفرد والمجتمع تحت كل الظروف ـ تؤدي بالضرورة على المدى المتوسط والبعيد إلى قبوله وانتشاره بشكل واسع وفرض نموذجه الفكري والسياسي، ولن تنجح كل محاولات التصنيف والمنع والتضييق.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

1.376 سفينة.. حركة البضائع بالحرة مصراتة تزداد بنسبة 22% عام 2025 ‏