in

مليار دولار أعلاف… ونصف مليار لحوم: عبث الاعتمادات؟

أنفقت ليبيا خلال عام 2025 قرابة مليار دولار على استيراد الأعلاف، وهو رقم ضخم يعادل تقريبًا إجمالي الإنفاق الدولاري للدولة على قطاعات سيادية كاملة، تشمل السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، والطلاب الليبيين الدارسين بالخارج، والعلاج في المشافي الأجنبية، والأدوية والمعدات الطبية، وبطاقات صغار التجار. أي أن دولة كاملة بكل التزاماتها الخارجية والصحية والإنسانية، كلفتنا ما يوازي فاتورة الأعلاف وحدها.

وهنا يبرز السؤال البديهي: إذا كانت ليبيا تمتلك ثروة حيوانية تحتاج أعلافًا سنوية بقيمة مليار دولار، فلماذا نستورد لحومًا بأكثر من 385 مليون دولار في الفترة نفسها؟ المنطق الاقتصادي لا يقبل سوى احتمالين: إما أن لدينا ثروة حيوانية حقيقية نُطعمها أعلافًا، أو أننا لا نملكها ونستورد اللحوم جاهزة. أما أن ننفق قرابة مليار ونصف دولار بين أعلاف ولحوم، فهذا ليس اقتصادًا، بل عبث صريح.

وذلك دون احتساب الإنتاج المحلي من الأعلاف أو الإنتاج المحلي من اللحوم، ما يجعل الصورة أكثر التباسًا، ويضاعف علامات الاستفهام حول حقيقة ما يجري داخل هذه المنظومة.

وبالعودة إلى الأرقام بهدوء قاتل، أنفقت ليبيا في 2025 نحو 320 مليون دولار على السفارات والبعثات، و120 مليون دولار على الطلاب في الخارج، و90 مليون دولار على العلاج بالخارج، و250 مليون دولار على الأدوية والمعدات الطبية، و120 مليون دولار عبر بطاقات صغار التجار، ليصل الإجمالي إلى نحو 900 مليون دولار.

وفي المقابل، أنفقنا القيمة نفسها – بل أكثر – على الأعلاف فقط، ثم أضفنا إليها قرابة نصف مليار دولار على استيراد اللحوم.

لكن الأخطر من حجم الإنفاق هو توزيع الاعتمادات نفسه. فقد برزت شركات حديثة العهد في مراكز متقدمة ضمن اعتمادات الأعلاف، من بينها شركة المنظار الأول لصناعة الأعلاف ومشتقاتها، ممثلها رواسي الهنقاري، رقم 54 في بيان وزارة الاقتصاد، وشركة السد الجديد، ممثلها أحمد عبد المجيد أبوحلالة، رقم 6.

وهنا أتحدى علنًا وزارة الاقتصاد والسجل التجاري ومصرف ليبيا المركزي أن يعلنوا للرأي العام أعمار أصحاب هذه الشركات، وتواريخ تأسيسها، وخلفياتها المالية.

وستتكشف حينها حقيقة صادمة: بعض هذه الأسماء من مواليد الألفينات.

فهل ظهر فجأة رواد أعلاف من المراهقين يسيطرون على مليارات الاعتمادات؟ وهل وُلدت صناعة الأعلاف بين ليلة وضحاها؟

بل أتحدى أي مجموعة قابضة عاملة في قطاع الأعلاف أن تعلن تبنيها لهذه الشركات أو الاعتراف بأنها تابعة لها.

فالسؤال الحقيقي لم يعد عن الأعلاف، بل عن من يقف خلف هذه الشركات، ومن موّلها، ومن سهّل لها فتح الاعتمادات.

ويبقى السؤال الأخطر: هل دخلت الأعلاف أصلًا إلى البلاد؟ أم أن العمليات تُدار بتسهيلات مصرفية وفتح اعتمادات “على الأحمر”؟ ما يحدث ليس خللًا إداريًا عابرًا، بل فشل رقابي وهيكلي كامل.

فالسجل التجاري لا يحتاج أختامًا جديدة، بل يحتاج ربطًا رقميًا حقيقيًا وشفافًا، متصلًا بالمصارف والجهات الرقابية. وإلى أن يحدث ذلك، سيستمر هذا العبث.

 

والسؤال لكم، أيها القرّاء:
هل المشكلة في وهم ثروة حيوانية غير موجودة؟ أم في منظومة اعتمادات تُدار خارج أي منطق اقتصادي أو رقابي؟

المصادر:
مصرف ليبيا المركزي – وزارة الاقتصاد

بقلم الصحفي محمد القرج

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

أرقام مزوّرة.. كيف تحوّل الرقم الوطني إلى بوابة للجرائم؟

نوفا: تراجع صادرات الغاز الليبي إلى إيطاليا 30% في 2025 رغم تعهد حكومة الوحدة بتوسيع الإمدادات