أثارت القرارات الأحادية الصادرة عن مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن المفوضية العليا للانتخابات، الجدل إلى واجهة التجاذب السياسي، وسط قلق أممي متصاعد وتحذيرات محلية من تكريس الانقسام وهدم ما تبقى من مسار التوافق بين المجلسين.
تصعيد متبادل
وأعربت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة التصعيد بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، في ظل استمرار العجز عن التوصل إلى اتفاق منذ إطلاق خارطة الطريق في أغسطس 2025.
وقالت البعثة في بيان لها إن المجلسين، وبدلاً من بناء توافق في الآراء حول هذه المسألة، انخرطا في دوامة من التصعيد المتبادل، ما يهدد بفتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي.
ودعت البعثة المجلسين إلى وقف جميع الإجراءات الأحادية، محمّلة إياهما مسؤولية أي انقسام قد يؤثر على عمل المفوضية مستقبلاً، كما حثت المفوضية على الالتزام بالحياد حفاظًا على نزاهتها في خضم النزاع القائم.
وأكدت البعثة أنها ستواصل العمل مع مجلس المفوضين الحالي للمضي قدمًا في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، استنادًا إلى إطار انتخابي سليم وقابل للتنفيذ.
مربع التأزيم
من جانبها، أعلنت كتلة التوافق الوطني بالمجلس الأعلى للدولة، أمس الاثنين، رفضها القاطع للإجراءات الأحادية الصادرة عن كل من مجلسي النواب والدولة، معتبرة أنها تمثل خرقًا لمبدأ الشراكة السياسية المنصوص عليه في الاتفاق السياسي.
وأكدت الكتلة، في بيان لها، رفضها لأي خطوة أحادية من مجلس الدولة، مثل انتخاب رئيس لمجلس إدارة المفوضية دون سند دستوري أو قانوني واضح، ودون توافق وطني جامع.
وحذرت الكتلة من أن النهج الذي يسير عليه المجلسان أدى إلى الانزلاق نحو مربع التأزيم بدل الإسهام في إنهاء الأزمة، مشيرة إلى أن كليهما أصبح، بقصد أو دون قصد، أداة لتكريس الانقسام السياسي شرقًا وغربًا، وإعادة إنتاج مشاهد الفشل السابقة.
ودعت الكتلة إلى الوقف الفوري لكافة الإجراءات الأحادية، والعودة إلى مسار التوافق السياسي الحقيقي، وصياغة مسار وطني شامل يضع مصلحة ليبيا فوق الحسابات الضيقة.
لا مبرر
رئيس مجلس النواب عقيلة صالح صرح إن تغيير رئيس المفوضية “لا مبرر له”، خاصة أنّه وأعضاءه اكتسبوا خبرة كافية في إدارة العمليات الانتخابية، مستشهدا بنجاح المفوضية في تنظيم الانتخابات البلدية خلال العام الماضي.
وأضاف في لقاء متلفز مع ”تلفزيون المسار”، أنه يجب استكمال عمل المفوضية وفق توصيات البعثة الأممية دون إدخال الشرق والغرب والجنوب في صراعات إضافية.
وتابع أن المفوضية أكدت قدرتها على إجراء انتخابات في أبريل المقبل متسائلًا: “ما هي الأسباب التي تدعو لتغيير عماد السائح الذي يمتلك الخبرة الكافية فضلاً عن أن هذا الأمر سيدخلهم في خلافات المناصب السيادية”.
وبين أن مجلس النواب رأى كما رأت البعثة الأممية أن المطلوب هو استكمال هو مجلس مفوضية الانتخابات
استشعار الخطورة
من جانبه، قال عضو المجلس الأعلى للدولة منصور الحصادي إن الخطوات الأحادية المتبادلة بين المجلسين تُعد إمعانًا في الانقسام والتشظي، واستمرارًا لحالة الفوضى والفساد، وهدمًا لكل محاولات التوافق بينهما.
وأضاف الحصادي، في تصريح للرائد، أن الوطن في ظل الأزمات والانقسام يحتاج إلى خطوات توافقية وطنية صعبة وشجاعة، بعيدة عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة، من أجل الوصول إلى حلول واقعية.
ولفت إلى أن ردود الأفعال المتشنجة لا تبني وطنًا، ولا تُخرج البلاد من أزمتها، ولا تُوصل إلى الاستقرار، ولا تُحقق إرادة الشعب المتطلع إلى تجديد الشرعية عبر الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
وطالب الحصادي المجلسين باستشعار خطورة المرحلة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد، واصفًا ما يحدث بالعبث بمصير الوطن، برعاية بعثة أممية قال إنها “فاقدة للبوصلة”.
تعميق الأزمة السياسية
أما عضو كتلة التوافق بالمجلس الأعلى للدولة عبد السلام الصفراني فقال في تصريح للرائد إن توافق ما جاء في بيان الكتلة مع بيان البعثة الأممية بخصوص القرارات الأحادية لمجلسي النواب والدولة لا يعني اصطفافًا، وإنما يعكس وضوح المخاطر أمام كل من يضع مصلحة ليبيا أولًا بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
وتابع أن الكتلة أعلنت موقفها قبل صدور بيان البعثة، بناءً على قراءة وطنية للمشهد، وإيمانها بأن الاستمرار في الإجراءات الأحادية من أي طرف لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة السياسية.
وأكد أن المرحلة الحالية لا تحتمل مزيدًا من المناورات أو توسيع الخلافات، مبينا أن تجاهل هذه التحذيرات سيدفع إلى البحث عن مسارات وطنية بديلة تُنهي المراحل الانتقالية.
مسرحية هزلية
واعتبر عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي أن مجلس الدولة برئاسة محمد تكالة لا يرغب في التوافق مع مجلس النواب.
وقال العرفي في تصريح للرائد، إن “تكالة ” لم يكن جزءا من توافقات المجلسين خاصة اتفاقات أبوزنيقة.
وأضاف أن انتخاب رئيس جديد لمفوضية الانتخابات لا يعدو كونه مسرحية هزلية هدفها نسف أي توافق بشأن الانتخابات.
إرباك *سياسي*
ورأى عضو مجلس النواب ميلود الأسود أن اختيار المجلس الأعلى للدولة لرئيس جديد لمفوضية الانتخابات يخلط الأوراق ويزيد من الإرباك السياسي.
وقال في تصريح للرائد، إن هذه الخطوة لن تفيد سوى المعرقلين الراغبين في استمرار الوضع القائم والانقسام.
وتابع أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في عرقلة خارطة البعثة الأممية.
وأردف أن تكالة قام كذلك بتغيير أعضاء لجنة “6+6” في وقت صعب وتكليف أعضاء جدد داعمين لحكومة الوحدة، بهدف التخريب وليس البناء على الإنجازات السابقة.
وكان المجلس الأعلى للدولة قد صوّت على اختيار صلاح الدين الكميشي رئيسًا للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد حصوله على 63 صوتًا من أصل 103 أعضاء، خلال جولة تصويت ثانية.
وجاء هذا القرار عقب تصويت مجلس النواب، في 29 ديسمبر الماضي، على استكمال المقاعد الشاغرة بالمفوضية، واعتماد ميزانيتها تمهيدًا لصرفها.
ويُعد قرار مجلس النواب مناقضًا للاتفاق الموقع في 28 نوفمبر الماضي بين ممثلي لجنتي المناصب السيادية في مجلسي النواب والدولة، بشأن آلية اختيار رئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ونص الاتفاق على اختيار رئيس المفوضية وفق آلية “7-3-1”، بحيث يحيل المجلس الأعلى للدولة سبعة أسماء، يختار مجلس النواب من بينها ثلاثة مرشحين، ثم يختار مجلس الدولة مرشحًا واحدًا من الثلاثة ليُكلّف برئاسة المفوضية.
كما نص الاتفاق على أن يُحيل المجلس الأعلى للدولة ثلاث قوائم لعضوية مجلس المفوضية، بواقع قائمة عن كل إقليم، تضم كل قائمة أربعة مرشحين، في موعد أقصاه 7 ديسمبر 2025.
وفي ظل هذا المشهد المتأزم، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الخطوات الأحادية المتبادلة إلى تعميق الانقسام السياسي، ونسف ما تبقى من فرص التوافق حول ملف الانتخابات، ما يضع مستقبل العملية الانتخابية مجددًا أمام تحديات جسيمة، في وقت تتطلع فيه قطاعات واسعة من الليبيين إلى إنهاء المراحل الانتقالية وتجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع.


