في خطوة أعادت خلط الأوراق داخل المشهد السياسي الليبي، صوّت المجلس الأعلى للدولة على اختيار رئيس جديد للمفوضية العليا للانتخابات، في قرار اعتبره مراقبون نهاية فعلية لمسار التوافق الهش بينه وبين مجلس النواب، وسط تساؤلات مطروحة هل كانت هذه الخطوة ردة فعل على قرارات البرلمان الأخيرة أم تصعيدًا سياسيًا ينذر بمزيد من التأزيم؟
تصويت مثير للجدل
وخلال جلسته اليوم الاثنين، صوّت المجلس الأعلى للدولة على اختيار صلاح الدين الكميشي رئيسًا للمفوضية العليا للانتخابات، بعد حصوله على 63 صوتًا من أصل 103 أعضاء، وذلك خلال جولة تصويت ثانية.
وقال رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة خلال الجلسة، إن هناك إشكاليات فنية في اختيار أعضاء مفوضية الانتخابات الثلاث الشاغرة مقاعدهم، لا يمكن تجاوزها لكثرة عدد المترشحين.
وأضاف أن عدد المترشحين بلغ نحو 120 عضوا لمناصب أعضاء مفوضية الانتخابات، وأنه حدث خلط وتداخل في الأوراق الانتخابية.
وتابع أن الانتخاب تحتاج إلى تدقيق من لجنة المناصب السيادية وسنعيد الفرز والإعلان عن النتائج في جلسة يعلنها في حينها.
انقسام داخلي
في المقابل، أعلنت كتلة التوافق الوطني بالمجلس الأعلى للدولة، رفضها القاطع لما وصفته بالإجراءات الأحادية الصادرة عن كل من مجلسي النواب والدولة، معتبرة أنها تمثل خرقًا لمبدأ الشراكة السياسية المنصوص عليه في الاتفاق السياسي.
وأكدت الكتلة، في بيان لها، رفضها لأي خطوة أحادية لمجلس الدولة مثل انتخاب رئيس مجلس إدارة للمفوضية دون سند دستوري أو قانوني واضح، ودون توافق وطني جامع.
مربع التأزيم
وحذرت الكتلة من أن النهج الذي يسير عليه المجلسان أدى إلى الانزلاق نحو مربع التأزيم بدل الإسهام في إنهاء الأزمة، مشيرة إلى أن كليهما أصبح، بقصد أو دون قصد، أدوات تخدم تكريس الانقسام السياسي شرقًا وغربًا، وتعيد إنتاج مشاهد الفشل التي عرفتها البلاد سابقًا.
ودعت الكتلة إلى الوقف الفوري لكافة الإجراءات الأحادية، والعودة إلى مسار التوافق السياسي الحقيقي، وصياغة مسار وطني شامل يضع مصلحة ليبيا فوق الحسابات الضيقة.
توصيات البعثة
في المقابل، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نجحت في إدارة الانتخابات البلدية الأخيرة، ولا توجد حاجة لتغيير رئاستها، إلا في حال اقتضت الضرورة الاستعانة بخبرة عملية إضافية.
وشدد صالح، في تصريح لتلفزيون المسار، على أهمية استكمال المفوضية لمهامها وفق توصيات البعثة الأممية، محذرًا من إدخال البلاد في صراعات جديدة بين الشرق والغرب والجنوب، ومفضلًا التوجه مباشرة نحو الانتخابات قبل حسم ملف المناصب السيادية.
كما اتهم صالح رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بعدم الرغبة في الانخراط الجدي في الحل السياسي، مشيرًا إلى غيابه عن اجتماع كان مقررا في جامعة الدول العربية ورفضه اللقاء به في باريس.
خطوة غير مسؤولة
وفي ردود الفعل، اعتبر المحلل السياسي فرج فركاش أن انتخاب رئيس جديد للمفوضية يمثل خطوة أحادية الجانب من مجلس الدولة، ولن يحظى باعتراف أممي، أسوة بخطوات مماثلة من قبل مجلس النواب، محذرًا من أنها تعمق الانقسام.
من جانبه، وصف المرشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي جلسة مجلس الدولة بأنها تصعيد سياسي غير مسؤول وممارسة عبثية، تهدف إلى عرقلة الانتخابات وقطع الطريق أمام أي حل سياسي، محذرًا من تداعيات أمنية وعسكرية محتملة.
قراءة أممية مغايرة
في المقابل، رأت عضو اللجنة الاستشارية التابعة للبعثة الأممية جازية شعيتير أن موافقة البرلمان على إعادة تشكيل مجلس المفوضية واستكمال شواغره تُعد خطوة عملية مهمة، ومن المرجح أن تحظى بقبول أممي، مشيرة إلى أن لجوء البعثة إلى بدائل عن مجلسي النواب والدولة يبقى احتمالًا ضعيفًا، في ظل ما وصفته بانكسار حالة الجمود السياسي تدريجيًا.
تبادل الاتهامات
وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة قد حمّل مجلس النواب مسؤولية عرقلة تغيير إدارة المفوضية، مؤكدًا أن البرلمان اتخذ إجراءات أحادية في ملف استكمال مجلس المفوضية، ومشيرًا إلى اتفاق سابق في بوزنيقة ينص على اختيار مجلس الدولة لرئيس المفوضية وثلاثة من أعضائها، مقابل اختيار البرلمان لثلاثة أعضاء آخرين.
في المقابل، كان مجلس النواب قد صوّت في 29 ديسمبر على إقرار استكمال المقاعد الشاغرة بالمفوضية، واعتمد لاحقًا ميزانيتها، تمهيدًا لصرفها.
وبين ردة الفعل والتصعيد السياسي، يعكس الجدل حول رئاسة مفوضية الانتخابات عمق الأزمة بين المجلسين، ويعيد إلى الواجهة إشكالية غياب التوافق في الملفات السيادية الحساسة، في وقت يترقب فيه الليبيون مسارًا واضحًا يقود إلى الانتخابات، بعيدًا عن صراعات المؤسسات وتنازع الشرعيات.


