أثار الحديث عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى جانب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تعيين شخصيات لإدارة فنزويلا والتصرف في نفطها، موجةً من المخاوف والتساؤلات حول مصير الدول الغنية بالموارد، وعلى رأسها الدول النفطية التي تعاني أزمات سياسية واقتصادية مزمنة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مقلق: هل يمكن أن تواجه ليبيا المصير نفسه الذي انتهت إليه فنزويلا؟
من دولة نفطية مزدهرة إلى انهيار شامل
كانت فنزويلا يوماً ما من أغنى دول أمريكا اللاتينية وأكثرها استقراراً سياسياً، قبل أن تنزلق تدريجياً نحو الهاوية نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة وسوء إدارة للثروة النفطية.
ثروة نفطية هائلة.. وسوء استثمار
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم يقدر بنحو 303 مليارات برميل.
لكن مع انخفاض أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي، بدأت البلاد تفقد عصرها الذهبي، إذ جرى توجيه العائدات النفطية إلى سياسات الدعم الاستهلاكي بدل استثمارها في البنية التحتية والتنمية المستدامة.
واليوم، تُصنف فنزويلا ضمن أفقر 10 دول في العالم، ويعاني شعبها لفقر والجوع نتيجة هذه السياسات.
المجاعة والانهيار المعيشي
تشير إحصاءات إلى أن نحو ثلثي سكان فنزويلا فقدوا في المتوسط 11.8 كيلوغراماً من أوزانهم عام 2017، بسبب نقص الغذاء والانهيار الاقتصادي، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية.
عهد تشافيز: بداية التدهور
منذ تولي هوغو تشافيز السلطة عام 1999، بدأت فنزويلا تشبه دولة خرجت لتوها من حرب أهلية، حيث خيم الخراب الاجتماعي والمالي على البلاد التي يقطنها نحو 32 مليون نسمة.
انهيار قطاع النفط
كانت فنزويلا تنتج في سبعينيات القرن الماضي نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، أي أكثر من 7% من الإنتاج العالمي آنذاك.
لكن الإنتاج تراجع إلى أقل من مليوني برميل يومياً خلال عقد 2010، ليصل مؤخراً إلى نحو 1.1 مليون برميل فقط.
وساهم تشافيز في هذا التدهور عبر فصل نحو 18 ألف موظف من شركة النفط الوطنية “بدفسا”، معظمهم من الفنيين والمديرين المهرة، واستبدالهم بنحو 100 ألف من أنصاره، ما أدى إلى تراجع الإنتاج بنسبة تقارب 25%.
اقتصاد أحادي وتأميم واسع
ارتفعت نسبة اعتماد فنزويلا على النفط من 77% من الصادرات عام 1998 إلى 96% بحلول 2011.
كما انتهج نظام تشافيز سياسة تأميم واسعة، حيث انخفض عدد الشركات الصناعية الخاصة من 14 ألف شركة عام 1998 إلى 9 آلاف فقط عام 2011، ما أفقد الاقتصاد قدرته على الإنتاج خارج قطاع النفط.
عهد مادورو: السقوط الحر
بعد وفاة تشافيز وتولي نيكولاس مادورو الحكم عام 2013، دخل الاقتصاد الفنزويلي مرحلة انهيار غير مسبوقة، إذ تقلص الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 18% في عام واحد.
ويُعد الاقتصاد الفنزويلي من بين أسوأ حالات التضخم في التاريخ، حيث بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 3.5 مليون بوليفار.
استبداد سياسي واقتصاد مافيا
إلى جانب التضخم، عانى الفنزويليون من استبداد سياسي واسع، تمثل في قمع الاحتجاجات وسقوط عشرات القتلى.
كما تمكن الجيش من السيطرة على تجارة المخدرات والغذاء وتعدين الذهب، ولم تسلم شركة النفط الوطنية من هذا النفوذ.
ليبيا بالمقارنة: ثروة كبيرة وأزمات متراكمة
على الرغم من ثرواتها الهائلة، لم تكن ليبيا أوفر حظاً من فنزويلا.
فقد حققت الدولة على مدى 60 عاماً إيرادات نفطية تُقدّر بآلاف المليارات من الدولارات، بينما لا يزال المواطن الليبي يعاني من ضعف الخدمات وسوء البنية التحتية.
تمتلك ليبيا:
أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا
التاسع عالمياً بنحو 41.5 مليار برميل
وخامس أكبر احتياطي غاز في أفريقيا بنحو 1.4 تريليون متر مكعب
زمن الملكية: بداية واعدة
في عهد الملك إدريس السنوسي، سعت الدولة الليبية إلى توظيف الثروة النفطية لتحقيق تنمية شاملة، ونجحت في إحداث نقلة اقتصادية واجتماعية واضحة.
وخلال فترة وجيزة، انتقلت ليبيا من ثاني أفقر دولة في العالم إلى دولة غنية، وبدأت في وضع خطط اقتصادية طموحة، حتى وُصفت في نهاية الستينيات بأنها مرشحة لتكون “سويسرا شمال أفريقيا”.
عهد القذافي: النفط في خدمة السياسة
على مدى 42 عاماً، عانى الاقتصاد الليبي رغم قلة عدد السكان وضخامة الموارد.
وبلغت البطالة في التسعينيات نحو 30%، قبل أن تنخفض نسبياً مع ارتفاع أسعار النفط في سنواته الأخيرة.
ويجمع مراقبون على أن أبرز سمات علاقة نظام القذافي بالنفط كانت تسخير العائدات لأغراض سياسية، بدءاً من التأميم وطرد الشركات الغربية، وصولاً إلى دعم حركات التمرد حول العالم.
كلفة المغامرات الخارجية
أدى انشغال القذافي بصراعاته الخارجية إلى إهمال التنمية الداخلية، كما تسببت العقوبات الدولية بعد قضية لوكربي في شلل المشاريع التنموية وتراجع مستوى الدخل.
ما بعد القذافي: أزمات بلا حلول
بعد أكثر من 15 عاماً على سقوط النظام السابق، لا يزال الاقتصاد الليبي يعاني أزمات عميقة، أبرزها:
تضخم فاتورة الدعم
ارتفاع الإنفاق الحكومي
فشل في رفع إنتاج النفط الذي استقر عند 1.3 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 3.1 مليون برميل عام 1969
ويقدّر صندوق النقد الدولي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في ليبيا بنحو 6,900 دولار لعام 2025، بينما لا يتجاوز متوسط الراتب الشهري 275 دولاراً، ما يضع ليبيا في مراتب متدنية عربياً.
انقسام سياسي وضغط على العملة
ما زال الانقسام الحكومي والمؤسسي قائماً، ما أدى إلى إنفاق غير منضبط وضغوط حادة على سعر صرف الدينار، الذي اقترب من 9 دنانير مقابل الدولار.
هل يتكرر السيناريو الفنزويلي؟
تُظهر المقارنة بين ليبيا وفنزويلا أن الثروة النفطية وحدها لا تحمي الدول من الانهيار، بل قد تصبح لعنة في ظل سوء الإدارة، والاقتصاد الأحادي، والانقسام السياسي، وتسييس الموارد.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تتدارك ليبيا أخطاء الماضي، أم تمضي بثبات نحو مصير يشبه فنزويلا؟
القرار لا يزال بيد الليبيين… لكن الزمن لا ينتظر.


