in

دور إقدام لا إسناد

شدني مقال نشر على موقع العربي الجديد بعنوان ( الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا) للكاتب خيري عمر ، حمل المقال في جعبته الطويلة عديداً من المعلومات الصحيح منها والمغلوط في بعضها في محاولة للكاتب بأن يضع تسلسلاً للحياة السياسية لقوى الإسلام السياسي إن صحت التسمية في ليبيا إبان فبراير، ويضع له وصفاً بناءاً على تجربتهم في دهاليز السياسة وأزماتها في بلد لم يشهد ساحة سياسية ثابتة ومستقرة حتى تختبر تجارب الأحزاب السياسية فيها بإنصاف ، وكل هذا يأتي ضمن ما يراه الكاتب وبما استقاه من معلومات .

و لعلني أبدأ من حيث انتهى الكاتب في مقاله حيث ذهب إلى أن دور الإسلاميين في ليبيا ظل دون تقديم قيمة مضافة للدولة وأن دورها اقتصر على إسناد الكيانات السياسية الأخرى ، وفي هذا سأسمح لنفسي باعتباري لصيقاً بهذه التجربة بأن أقتطع الجزئية الخاصة بتجربة حزب العدالة والبناء في قيادته السابقة والتجربة الموصولة بها في الحزب الديمقراطي اليوم والذي ينطلق بخبرة تراكمية سابقة عاشت تفاصيلها بل وشكلت بعض منحنيات العملية السياسية في ليبيا ، لنرى ونحكم إن كانت فعلاً هذه التجربة لمجرد الإسناد أم أنها تمثل تجربة تفردت بها قيادة الحزب سواء في تجربته الحزبية في العدالة والبناء أو ما يتصل بعمله في الحزب الديمقراطي اليوم .

بداية ولمجرد التدكين دون الخوض في التفاصيل، لم يكن لمؤسسة العدالة والبناء وقتها علاقة تنظيمية بجماعة الأخوان المسلمين، فتصرفات الحزب لا تعبر عن توجهات الجماعة، ولا تصورات الجماعة يمكن أن تكون نبراساً يهتدي به الحزب إلا في ما يشترك فيه كافة الوطنيين ، هذا لأن المقال قد جمع بين المؤسستين وخلط بين الأجواء السائدة داخل الجماعة والظروف التي أحاطت بعملها وما تبعها من موجة استقالات، وهذا الجمع قد يوحي للقارئ بأن هذه الظروف هي نتاج بيئة واحدة ، وهذا أمر بعيد عن الواقعية و لا يمت لحقيقة عمل المؤسستين الدعوية والحزبية بصلة ، والدليل على ذلك استقالة بعض الأعضاء من الحزب المنتمين للجماعة ممن رأوا في التوجهات السياسية التي تبناها الحزب وقتها بأنها تخالف ما يؤمن به و يعتقده بالذات في استراتيجية التوافق الوطني التي تتبناها قيادة الحزب و لا تزال إلى يومنا هذا تسوق له .

أما عن الفاعلية السياسية وموطئ قدم التجربة الحزبية عبر هذه السنوات، فأفضل ما يعبر عنها هو الأحداث المتوالية والمواقف الصلبة وسياسة فتح الأبواب المغلقة التي تجرأ الحزب على فتحها، وتحمل الرياح العاتية التي تأتي من ورائها حتى تعرض الحزب لموجة من العنف الموجه كحرق المقار التابعة له وعمليات اغتيال طالت قياداته السياسية وذلك من قبل بعض القوى التي تحرك جزءاً من الشارع لأغراض سلبية ، ورأت هذه القوى أن السياسة المتبعة من الحزب تضر مصالحها الضيقة ، وقد مثلت أيضاً بيانات الحزب السياسية والتي تعبر عبر أرشفة منظمة الرؤى المتوازنة والمتصلة و غير المتضاربة من الأحداث السياسية التي مرت بالبلاد ، فلقد تمسك الحزب بخياراته السياسية مبكراً وظل وفياً لها إلى يومنا هذا وعلى رأسها رؤيته للحل السياسي في أن تجتمع الخصوم والأطراف السياسية على طاولة وفاق وطني، وتنطلق جميعها من المتفق عليه وطنياً ليمثل بيئة صحية للخروج من عنق الزجاجة ، وتأجيل المختلف عليه لاحقاً في المستقبل بعد أن تهيأ الظروف لمصالحة شاملة تستوفي شروط قيامها وأهمها العدالة الانتقالية وجبر الضرر الذي لا يتأتى إلا بعد قيام أواصر الدولة الليبية المنشودة وشرطها هو الاستقرار أولاً .

ولنحدد أكثر فلقد مثلت التجربة الحزبية للقيادة السياسية والتنفيذية لحزب العدالة والبناء ومن خلال أدواته السياسية، وعلى رأسها الكتلة البرلمانية التابعة للحزب في المؤتمر الوطني العام ولاحقاً في الأعلى للدولة وقتها، تجربة تفردت بها عن بقية الأطراف السياسية الأخرى وليس فقط الأطراف التي تمثل الإسلاميين في البلاد ، فلقد قاد الحزب حينها الجهود المحلية والتي تحمل نفس التطلعات في إقناع أطراف الصراع السياسي الخارجة من توّها من أتون حرب فجر ليبيا والذهاب معها نحو بيئة وفاق وطني تمهد الأرضية للاستقرار السياسي المطلوب ، واستطاع الحزب أن ينال ثقة الأطراف المحلية والدولية المتداخلة في الشأن الليبي، وأن يعمل بمرونة وواقعية مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا فارضاً نفسه ورؤاه للحل السياسي والبناء عليها في استكمال عقد الوفاق الذي طاف مدناً ليبية وعواصم عالمية حتى حط رحاله في الصخيرات المغربية التي أنتجب جلساته اتفاقاً كان لحزب العدالة والبناء دور مهم في رسم تفاصيله وتحديد شخوصه ووضع المبادئ الوطنية الجامعة كمبادئ حاكمة يحترمها الجميع.

وكما كان للحزب حينها أدوار قيادية في فرض واقع الوفاق الوطني فلقد كان له الصوت الأعلى في مواجهة من تمرد على ما اتفق عليه الليبيون في الرابع من أبريل للعام 2019 حينما هاجمت قوات خليفة حفتر العاصمة طرابلس منتهكة اتفاق الصخيرات ومبادئه الحاكمة فجمع الحزب من جديد الجهود المحلية وهذه المرة لإيقاف هذه المحاولة المسلحة والتي توعدت النظام الديمقراطي برمته لا اتفاق الصخيرات فحسب .

عاد حزب العدالة  والبناء بعد توقف الحرب ليؤكد من جديد على استراتيجيته السياسية والتي لا يحيد عنها، ودعا من جديد للعودة لمربع الحوار وصناعة أجسام سياسية جديدة غير التي انتهكت في الرابع من أبريل فكان حوار جنيف أو حوار الـ75 الذي أنتج حكومة الوحدة الوطنية لتخلف حكومة الوفاق الوطني ، والتي حددت مهامها في قيادة الجهود التنفيذية وتوفير الظروف المناسبة كحكومة ليبية للانتخابات البرلمانية والرئاسية في ديسمبر 2021 ، وللأسف كانت لقيادة الحكومة آراء أخرى فيما يخص مهامها فوجهت البوصلة لكل شيء سوى التجهيز للانتخابات مما حدا بالقيادة في حزب العدالة والبناء وقتها وهي تستعد لإقامة مؤتمرها الاستثنائي ليختار أعضاء الحزب قيادتهم الجديدة، أن تقف بحزم وتعارض الإجراءات والسلوك العام السلبي لحكومة الوحدة الوطنية وهو الموقف الذي انتقل إلى الحزب الديمقراطي لاحقاً .

وفي هذا السياق، يضع الكاتب الحزب الديمقراطي كمنفتح على حكومة الشرق الليبي كما وصفها ، ولكن في الواقع أن الحزب يحترم ما ذهب إليه المجتمعون في اتفاق جنيف من مدد وضعها بناءً على مهام محددة أوكلت لحكومة الوحدة الوطنية، فلهذا كان من الطبيعي الذهاب في الإجراءات المتفق عليها في حال فشل قيادة الحكومة المتمثلة في قائمة المنفي الدبيبة في تنفيذ هذه المهام وفق التوقيت المطلوب وهو تشكيل حكومة جديدة وفق ترتيبات واضحة ، فكان التمترس من قبل رئيس الحكومة المهندس عبد الحميد الدبيبة خلف رغباته وطموحاته الضيقة وخلف ولاءات عسكرية ومالية تدين له، الفضل في تعقيد الأمور من جديد والعودة لمربع الانقسام المؤسسي وهذا ما ترفضه قيادة الحزب الديمقراطي شكلاً ومضموناً .

وفي إشارة أخيرة إلى علاقة القيادة السياسية لحزب العدالة والبناء السابقة وبقية التيارات الإسلامية العاملة في الحقل السياسي ، فقد كانت علاقة غير ودية في مجمل سياقاتها ، فلقد حاول الحزب حينها صناعة بيئة سياسية ملائمة للعمل السياسي عبر التسويق للبيئة الحزبية باعتبارها أهم أدوات النظام الديمقراطي وصناعة بيئة تنافسية سياسية نظيفة بعيدة عن أشكال التخوين للمؤسسات العاملة في أحزاب منظمة ، ولكن كثيراً من أصناف التكوينات الإسلامية تحديداً أو من ادعت وصلاً بهذا التصنيف قد اختارت المناكفة السياسية وأساليب التشويه والتخوين أداة لها ، فاختار بعضها تكوين تشكيلات عسكرية وأخرى اختارت تكوين منصات سب وقذف ولعن لكل من أراد ان يسير في تفاهمات الصخيرات وجنيف التي قاد الحزب الدعوة إليها ، وللتأكيد فلقد كانت هذه التوجهات للعدالة والبناء ومن ثم الديمقراطي هي أساس الخلاف الذي نشب بينه وبين هذه التيارات الإسلامية ودون إغفال المرجعيات الفكرية التي تغذي هذه الأطراف ، و لا نهمل أن اجتهادات الحزب بضرورة الانفتاح والمرونة والتوافق مع الأطراف جعلته خصما لتيار التأزيم فاصطف لهذا التيار بقايا الحزب السابق مع دار الإفتاء مع كثير ممن يحملون عاطفة تجاه الثورة بدون رؤية سياسية ولم يتقدموا بمشروع بديل يصنع فرصة حقيقية لتسوية سياسية معقولة وحقيقية .

وبعد عشرة سنوات من العمل وسط ظروف قاسية ، أقام حزب العدالة والبناء مجموعة من المراجعات التي دفعت نسبة عالية من أعضائه وكوادره وقياداته السابقة بأن تخرج للتجربة الجديدة  في الحزب الديمقراطي بعد هجمات إعلامية على توجهات حزب العدالة و البناء وانقسام داخلي بسبب اجتهادات قيادة الحزب ، فبعض أعضاء الحزب من تيار الإخوان المسلمين يعتقد أن لديه وصاية على هذه المؤسسة الحزبية ، مما اضطر القيادة السياسية إلى إعلان مشروع جديد أكثر انفتاحا واستفادة من التجارب السابقة، وتحديداً ما يخص قضية المرجعية الإسلامية للحزب و أن الإسلام نظام شامل وهو ما يتفق عليه الليبيون ولا داعي أن يرفع أعضاء الحزب وحدهم شرف هذا الاعتقاد دون الليبيين .

وبالنسبة للتجربة السياسية للحزب الديمقراطي و رغم حداثة تأسيسه ، إلا انه نجح في قيادة مبادرة ليبية ليبية واستطاع أن يجمع تياراً وطنياً عريضاً ، فضم كتلة كبيرة من البرلمان وكتلة من الأعلى للدولة وشخصيات سياسية بارزة على رأسها وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا والسيد عقيلة صالح رئيس مجلس النواب وقادة كثر من المجموعات المسلحة وثوار آمنوا بلغة التوافق الوطني ،  وقد اختبر هذا التوافق رغبة الإرادة الدولية التي أظهرت رفضا منه لاجتماع الإرادة الليبية ، فتمت مواجهة أي محاولة للتسوية خارج إطار البعثة بالإهمال .

إن ما جرى لثورات الربيع العربي في مصر وتونس هو انتصار للثورة المضادة وعودة المنظومة السابقة ، فعطل الدستور في تونس وتم الزج بالمعارضة في السجون وحدث في مصر ما هو أشد وأنكى ، ولكن بفضل قيادة الحزب الديمقراطي عبر محطات مشاركاته السياسية من سنة 2014 التي دعا فيها لانتخابات مبكرة واستيعاب تسونامي الثورة المضادة ومحاولة تفكيكها، ساهم في أن ينجو تيار الثورة من الاجتثاث بالكامل واستطاع أن يواجه تمظهرات المشروع العسكري ، وتكرر هذا أيضا في اتفاق الصخيرات والذي لم يفهم صيغته الصحيحة البعض على أنه غطاء وحماية لتيار الثورة وللتيار الإسلامي ، فهو حتى إن لم يحقق المطلوب إلا أنه استطاع أن يناور لاستدامة قوة تيار الثورة ، وبعدها حدثت مناورة أخرى في جنيف نتج عنها تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ومحاولة الاختراق الذي حدث في حكومة السيد باشاغا ، كل هذه الأمور أعطت حياة للعملية السياسية وساهمت في عدم تمكن تيار الثورة المضادة من القضاء على الثورة، وأدى هذا إلى استثناء ليبيا التي لم يحسم فيها الصراع لأي طرف وما زالت قوة الثورة موجودة وفرص إقامة الدولة المدنية رغم الصعوبات لا تزال قائمة بفضل اجتهادات التيار السياسي الذي قادته قيادات الحزب الديمقراطي في تجربتهم المتواصلة .

وللتذكير والتأكيد، فإن نتاج انتخابات المؤتمر الوطني العام سنة 2012م و رغم تقدم تحالف القوى الوطنية في نيل عدد الأكبر من مقاعد المؤتمر التشريعي ، إلا أنه لم يصمد نتيجة بنيته الفكرية المفككة وتجميعه لأحزاب ومؤسسات مدنية هشة، في حين أن حزب العدالة والبناء حافظ على كتلته وحافظ على زخمه لمدة عشر سنوات ، وهذه الكتلة وفي مجملها انحازت لخيارات الحزب الديمقراطي ،  ولا يزال هو المشروع الأكبر والأقوى للحفاظ على قوة الثورة السياسية وحضورها الدائم في محافل الانقضاض على مخرجات الثورة وإقامة الدولة المدنية .

وأخيراً فإن التجربة السياسية التي عاشها الليبيون على مدار هذه الأعوام أفرزت قوى سياسية من مختلف المشارب يشار إليها بالبنان بأنها ساهمت في تغذية المشهد الليبي بشخوص ومؤسسات ومواقف وثوابت وطنية تستحق الإظهار والتعريف بل والاستشهاد بما قدمت ليكون نبراساً يضيئ هذا الطريق الطويل والشاق ، لا أن تركن تجربتها وتوصف بأنها أدوار إسناد و مماحكة .

عبد المجيد عمر العويتي

الطرابلسي: ملف الهجرة غير الشرعية ‏عندي أهم من ملف الانتخابات

النواب يقرّ ميزانية 2024 بنحو 180مليار دينار ويزيد رواتب المتقاعدين 80%