in

في جلباب أبي

على كرسيين متقابلين موزعين على شرفتين منفصلتين من منزلهما، يجلس الأب وإبنه وهما يوليان ظهريهما لبعض. يشرب الوالد كأس نبيذ وفي يد الإبن سيجارة.

الأب: وسخ!
الإبن: وسخك.
الأب: سكرجي!
الإبن: مثلك.
الأب: أزعر!
الإبن: تربايتك.
الأب: معفن!
الإبن: ع ريحتك.
الأب: سافل!
الإبن: سفالتك.

والمشهد من فيلم (إن شئت كما في السماء ـ 2019) للمخرج إيليا سليمان.

“الشعب الليبي العظيم.. قد دقت ساعة الحقيقة”، بهذه الكلمات افتتح سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، حسابا له على تويتر يدعو فيه الليبيين إلى التوجه لمكاتب المفوضية العليا للانتخابات لاستلام بطاقاتهم الانتخابية في أفق المشاركة في “انتخابه” رئيسا للبلاد.



قبلها ظهر سيف الإسلام في مكتب نفس المفوضية بسبها حيث قدم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها بدولة “الجماهيرية العظمى” بعد سنوات من التيه تلت انتفاضة 17 فبراير وما تلاها من أحداث. 

سيف الإسلام الذي ألف مخاطبة وسائل الإعلام الغربية، أيام حكم والده التليد، متأنقا بأرقى الماركات ومنقيا العبارات لتجميل فظاعات حكم الوالد الفردي، لم يفوت الفرصة ليعيد إلى الأذهان شبح “صاحب” الكتاب الأخضر، حيث بدا متدثرا بلباس والده في رسالة لا تخطئها العين، واختار سبها منطلقا لحملته لاسترجاع حكم العائلة لليبيا و”إعادتها لمكانتها الأولى بين الأمم”، وهي التي كانت منطلقا لوالده لإحكام القبضة على البلاد على مدار ما يفوق الأربعة عقود. 

رغد صدام حسين احتفت بظهور “أخيها الغالي” الذي أمطرته بالدعاء بأن يعود إلى “المكانة التي تليق به” وأن “يخدم ليبيا ويعيدها لموقعها الحقيقي”.
 
لم يكن غريبا أن يعيد أبناء المخلوعين السعي إلى استعادة عروش الآباء وأن يحتفي بهم من هم على نفس الطموح دون قدرة على تحقيقه، فالجغرافيا العربية تحفل حتى اليوم بأنظمة وراثية كانت أو “انتخابية” يتم فيها تكليف أولياء العهود أو الأقرباء ومعهم بعض من المقربين بغير ما تنص عليه الدساتير وقوانين الحكم، أو ما تبقى منها دون تعليق أو إلغاء، بشكل يمنحهم الصفة بالتحكم في رقاب العباد والبلاد دون رقابة أو محاسبة، تحُولان دون تحويل البلدان إلى مجرد محميات شخصية يصبح فيها المواطنون عبيدا والمواطنات سبايا.



عندما اعتقل سيف الإسلام القذافي في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2011 على يد “ثوار الزنتان”، كان الرجل أشعت أغبر متعبا ومتألما من الغرغينيا التي أدت لبتر جزء من أصابع يده اليمنى بعد أن كانت سلاحه الذي تعود أن يتوعد بها الليبيين و”الثوار” قبلها بأسابيع حين كان يعيد استخدام وصف والده لهم بـ “الجرذان” ويتحدى المحكمة الجنائية الدولية مستعيرا لفظة الوالد الشهيرة “طز في المحكمة الجنائية”. 

يومها وعده أحد معتقليه بالقول: “إننا سنضمن لك محاكمة عادلة لن تظلم فيها، بل سنوفر لك المحامي الذي تختاره فتنال الجزاء إن كنت مذنبا وإن كنت بريئا فالشعب الليبي يحضن جميع أبنائه. أنت ليبي وستعيش وسط إخوتك وأهلك من الليبيين”. أدين في العام 2015 بالإعدام رفقة عدد من قيادات نظام القذافي قبل أن تسقط المحكمة العليا في ليبيا الحكم في آذار (مارس) 2021. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري (10 سنوات بعد الاعتقال بالتمام والكمال) ظهر لأول مرة علنيا ليقدم أوراق ترشحه ويعلن أن الله غالب على أمره ولو كره الكافرون. 

لم يكن غريبا أن يعيد أبناء المخلوعين السعي إلى استعادة عروش الآباء وأن يحتفي بهم من هم على نفس الطموح دون قدرة على تحقيقه، فالجغرافيا العربية تحفل حتى اليوم بأنظمة وراثية كانت أو “انتخابية” يتم فيها تكليف أولياء العهود أو الأقرباء ومعهم بعض من المقربين بغير ما تنص عليه الدساتير وقوانين الحكم،



يوم الاعتقال كانت أولى الكلمات التي وجهه لمعتقِليه حين اكتشف وجود كاميرا: هل هذا تصوير؟ لم يكن يهمه غير وقع الصورة وما ستوثقه الكاميرا من لقطات سيسجلها التاريخ. اليوم يعود المعتقل السابق ليعلن عن طموحه لاستعادة حكم ليبيا وهو يلعب على وتر الرمزيات من جلباب وكلمات منتقاة من معجم الوالد لما عُرف عن القذافي الابن من اهتمام بالصورة الإعلامية ومعرفة أكيدة بقوة تأثيرها على الجمهور المستهدف في الداخل والخارج، في هذه اللحظة الفارقة من انتصار “الثورة المضادة” وأتباعها المنتشرين في كل مكان بالداخل الليبي وعلى الحدود. 

ليس غريبا إذن أن يعود القذافي الإبن، ومعه شذرات من إرث الوالد و”فكره” نبراسا يستنير به، في محاولته لاستعادة أمجاد باب العزيزية ومهرجاناته الخطابية الجوفاء. فهذا الرئيس التونسي المنتخب ينقلب على الدستور الذي أوصله لقصر قرطاج ويسعى لاستبداله بالكتاب الأخضر باكورة فكر القذافي والبناء الجماهيري. 

وهاهي الخطابات “القذافية” تصبح الخبز اليومي للتونسيين، والشتائم التي لا تقل فداحته عن لفظ “الجرذان” تصبح لغة الخطاب الأوج الموجه للطبقة السياسية والمواطنين الغاضبين ضد الانقلاب حتى يكاد الرئيس يسألهم من تكونون؟ كيف لا وقد صار الأطفال، وهم يقحمون عنوة في جلابيب الذل الأبوية، سلاحا موجها للتبجيل وهم يتغنون “قيس سعيد رئيس فريد.. قيس سعيد رئيس شديد”.



ليس غريبا أن يعود القذافي الإبن وهذا جيش مصر استعاد زمام الأمر بالمحروسة وأعدم أي أمل في التغيير السلمي، وذاك حفتر، حليف الردة العربية، يسيطر بالسلاح على الغرب الليبي ويرسم خطا أحمر، بدعم إقليمي ودولي، يفصل الشرعية عن الطغيان، وبالسلاح يفرض الشروط ويتقدم لحكم دولة العقيد بعد أن سئم انتظار “ساعة الصفر للزحف على طرابلس” الذي توعد بها الليبيين. وهؤلاء أبناء العائلات الحاكمة هنا وهناك يصولون ويجولون، يحكمون ويقررون، ويهبون ويسلبون مناصب وعطايا وحريات وجنسيات.

دقت ساعة الحقيقة.. دقت ساعة الزحف.. دقت ساعة الانتصار. تلك كانت كلمات معمر القذافي قبل عشر سنوات وها هو الإبن قد عاد ليعلن أن ساعة الحقيقة دقت مرة أخرى كخطوة أولى قد تتبعها خطوات تحقق نبوءة الزعيم.



بين صورة القذافي الإبن المتأنق الحليق والقذافي الابن الملتحف بحلباب أبيه، تغيرت كثير من المعطيات على الأرض وفي حيوات الناس. صارت “ثورات الربيع العربي” لوثة يستعيد منها البعض، وجريمة عوقب كثيرون على المشاركة فيها، وشماعة علقت عليها أنظمة الردة الفشل في تحقيق الوعود بعد الانقلاب على الشرعية الانتخابية التي يحاول سيف الإسلام النفاذ من خلالها.

في خطابه الشهير شهر شباط (فبراير) 2011 أعلن سيف الإسلام، بعد تنبئه بسيناريو تفكيك ليبيا لدويلات نتيجة وحيدة للثورة على أبيه، أن الليبيين سيحتاجون لأربعين سنة أخرى حتى يتفقوا على إدارة البلد لأن “كل واحد سيجعل من نفسه رئيسا أو أميرا ويعلن منطقته دولة”.  

الإبن سر أبيه، وجلباب الأب الروحي في العائلة والطائفة والحزب عملة رائجة في الوطن العربي. لأجل ذلك، قد يعود سيف الإسلام القذافي يوما ومعه جمال أو علاء مبارك ورغد وأحمد أو خالد أو طارق عبد الله صالح لتقوية جبهة الماسكين على جمر السلطة في بقية الأنظمة الوراثية العربية، فكلهم يعتبرون الآباء في نفس منزلة العقيد الذي قال عنه سيف الإسلام في خطابه الشهير أيام انتفاضة فبراير “ليس رئيسا تقليديا كلاسيكيا بل زعيما شعبيا” متوعدا أنه لن يترك ليبيا “لقمة سائغة لعصابات وبلطجية ومتعاطي مخدرات”.

دقت ساعة الحقيقة.. دقت ساعة الزحف.. دقت ساعة الانتصار. تلك كانت كلمات معمر القذافي قبل عشر سنوات وها هو الإبن قد عاد ليعلن أن ساعة الحقيقة دقت مرة أخرى كخطوة أولى قد تتبعها خطوات تحقق نبوءة الزعيم.

الولايات المتحدة: نواصل دعم إجراء انتخابات في ليبيا تؤدي إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا

مكاسب دول الجوار من استقرار ليبيا بحلول 2025